«تحت جفن الحكاية».. نصوص مشرعة ونهايات مفتوحة

أدباتية – أحمد زكي شحاتة: تُطالعنا الكاتبة آلاء أشرف في مجموعتها القصصية «تحت جفن الحكاية» الصادرة عن دار البديع العربي للطباعة والنشر، بعالم يتسم ببالغ التكثيف والشفافية الشعرية.
 مجموعة آلاء، الفائزة بجائزة الدولة التشجيعية، ليست مجرد سرد خاطف للأحداث والمواقف، بل هي تجربة تأملية عميقة في الذاكرة والزمن والروح، وصلة من رحلة البحث الدؤوب عن الذات وسط زحام الواقع المتسارع. تتجلى قدرة الكاتبة الفائقة في التقاط اللحظة العابرة، وتجميد الحركة في المشهد الإنساني، ثم تحويلها إلى لوحة قصصية مشحونة بالدلالات والرموز التي تحفز مخيلة القارئ وتستدعيه ليكمل الرؤية بوعيه الخاص.
تعتمد الكاتبة في هذه المجموعة على فن «القصة القصيرة جدًا»، وهو جنس أدبي يتطلب مهارة استثنائية في الاختزال والتكثيف والسيطرة على مقاليد اللغة، دون التضحية والوصول إلى العمق السردي بأقل عدد ممكن من الكلمات التي تحقق الأثر الدرامي، وقد ابتعدت –إلى حدٍ كبيرٍ- عن الحشو والزوائد اللغوية، فكل مفردة في المجموعة تؤدي وظيفة بصرية أو شعورية محددة.
في قصة «انعكاس»، تطرح الكاتبة إشكالية الغربة الذاتية وتفتت الهوية بفعل تراكم السنوات، فتقول: «وقفت أمام المِرآة تطيل النظر، لم تكن تبحث عن تفاصيل وجهها، بل عن ذلك الشخص الذي نسِيَته داخل اللوحة قبل أعوام. حين لمست الزجاج بأطراف أصابعها، أدركت أن المرآة لم تعد تعكس سوى الغياب»، ص: 14.
يُبرز هذا المقطع التكثيف العالي الذي تتسم به نصوص آلاء أشرف، حيث توظف رمزية «المرآة» كرمز للفجوة الفاصلة بين الحاضر والماضي، وبين الصورة الذهنية المشتهاة والواقع المعيش، وليس مجرد أداة للرؤية المادية.
يتكرر مفهوم «الزمن» كبطل خفي ينساب بين ثنايا المجموعة القصصية يغير ملامح الأشياء وينسج ظلال الفقد والحنين، والكاتبة لا تتعامل مع الزمن كمجرد خلفية تاريخية أو تسلسل أحداث بل كقوة فاعلة تبتلع لحظات العيش وتترك الإنسان مواجهاً لأسئلته الوجودية الأولى.
ويتجلى هذا الصراع مع عقارب الساعة بوضوح في قصة «ساعة الجدار» صـ28، التي تقول فيها: «كانت العقارب تدور بانتظام قاتل، بينما كانت هي تحاول إيقاف الوقت بقبضة يدها المُحكمة، وحين فتحت أصابعها أخيرًا، لم تجد في كفّها سوى رماد السنين المنصرمة»، إن الصورة البلاغية المعبرة عن «رماد السنين» تختزل العجز الإنساني أمام انسياب العمر، وتحول التجربة السردية إلى وقفة تأملية حزينة في الطبيعة المؤقتة للوجود.
ولا تميل نصوص المجموعة إلى المباشرة أو التقريرية، بل تُلبس مشاهدها رداءً من الشاعرية الحافلة بالمجاز، معتمدة على مفردات مفتاحية كـ «الأبواب – الظلال – المرايا –الأقبية» ففي قصة «باب مغلق»، تتجاوز الكاتبة التفسير المادي للحدود والعوائق، لتغوص في العزلة النفسية والصراع الداخلي: «كلما حاولت فتح الباب، اتسعت الفجوة بين قلبي والمقبض. أدركت حينها أن الباب لم يكن مغلقاً بالخشب والمفتاح، بل كانت المسافة الموصدة هي تلك التي تفصل بيني وبيني»، صـ42 حيث تُظهر هذه القصة براعة الكاتبة في تحويل العائق المادي «الباب» إلى رمز للعزلة الذاتية والانفصال الداخلي، وهو ما يتطلب قراءة واعية لتفكيك الطبقات الدلالية للنص.
تعتمد آلاء أشرف في معظم قصصها على نهايات مفتوحة ومباغتة، تترك القارئ في حالة من الدهشة والتأمل. فالقصة لديها لا تنتهي بإسدال الستار على السطر الأخير، بل يبدأ سريانها الحقيقي تحت «جفن» مخيلة القارئ.
وفي قصة «ظل أخير» صـ59، تُنهي الكاتبة نصها بهذه الإيحاءات المكثفة: «مشى في الشارع الطويل يجر ظله المتهالك خلفه، وحين أشرقت الشمس من الجهة المقابلة، اكتشف بدهشة أن ظله كان يسبقه طوال الوقت نحو النهاية»، وهكذا في بقية نصوص المجموعة التي استطاعت عبر أسلوبها الشفاف ولغتها الرصينة أن تحوِّل اللحظات العادية إلى تجارب إنسانية فارقة، وأن تجعل من الكلمات القليلة منافذ واسعة للتفكير في أسئلة الذات والزمن والوجود.

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *