شظايا الذات واغتراب الروح في مدن محمود نصر

أدباتية – أحمد زكي شحاتة: يقول «تي. إس. إليوت» في ختام رائعته «الأرض اليباب»: «هذه الشظايا جعلت منها شاطئا ألجأ إليه من أطلالي»، وكأن هذه العبارة الخالدة لم تُكتب إلا لتكون مدخلاً لقراءة الأرواح المنهكة التي تحاول ترميم انكساراتها بالشعر، وهذا تماما ما تشعر به حين تقلب صفحات “مُدن تتبدل في دمي” للشاعر محمود نصر، حيث تشعر وكأنك تلامس جرحا لم يندمل بعد، وتفتح نافذة تطل على خراب الروح المعاصرة.
العنوان هنا ليس مجرد عتبة لغوية مألوفة، بل هو بوصلة تشير إلى تيه كائنٍ تسكنه المدن وتتسرب في عروقه كأنها خلايا حية تتجدد مع كل نبضة، لا يقف نصر عند حدود الجغرافيا الصلبة من أسمنت وشوارع، بل يذيبها في قلق الإنسان المعاصر وحالة الشتات التي تنهش روحه، ليجعل من المدينة حالة نفسية متقلبة ومربكة تعصف بكيانه من الداخل.
في القصيدة الأولى «أمي على الهاتف”»، يباغتنا الشاعر بأسئلة الوجع الكبرى حول الحرب والتشظي العائلي، بصوتٍ متهدج مثقل بالحنين، يسأل أمه: عما إذا كانت رحى الحرب قد دارت في الجنوب أم أن قسوة الشمال هي التي ابتلعت أهله، ومن بين ركام هذا الشتات، تبرز صورة الأب ذلك الجبل الذي انهار فجأة، حيث يقول نصر في بوحٍ شجي يفيض بمرارة الانكسار
:
«كيف بكيت يا أبي
وأنت الذي لا يبكي
إلا بعد ستين حزنا
يضحك مثلي
في انعكاس الصورة
لأن الحقيقة
أن أرى ظلي
يضحك مع ظلي
كيف انكسرت يا أبي
وأنت الذي
لا يبكي
إلا بعد ستين حزنا
وأنت الذي تحملت في صدرك
زمن العدو».
الحرب تتبدى في عين الشاعر كمرآةٍ مهشمة، تناثرت فيها وجوهنا واختلطت، فلم نعد نعرف للقاتل اسما ولا للقتيل ملامح
.
والحزن في هذا الديوان ليس ضيفا طارئا أو سحابة صيف عابرة، بل هو رفيق الدرب الأصيل الذي يمشي جنبا إلى جنب مع الشاعر، يشاركه رغيف وحدته وقهوة أيامه.
وفي قصيدة «هذا الميت النكرة»، يبلغ التماهي مع الأسى منتهاه، إذ يتحدث نصر عن حزنه وكأنه جثة مجهولة الهوية. وتمتد غيوم الفقد لتخيم على قصيدة «جنازة بلا نعش»، حيث يرسم لنفسه نهاية مأسوية في غياهب بحيرات شاسعة، مصورا مشهدا جنائزيا مهيبا لا يعتمد على طقوس الموت التقليدية، بل على طقوس الشعر والغياب، مناجياً صديقه
:
«في هذه البحيرات الشاسعة
يختار القدر
جسدي الهزيل
لأموت غريقا
قبل ضربة الكأس بالكأس
قبل آخر نخب
يا صديق
أردت أن أودعك
من خلف هذا الموج
قبل أن يشيع دمي في الماء

إن تذكرتني في المقهى
أمام كرسي فارغ
يشبهني
ترتل أشعاري
كأنها صلاة».
هذا التماهي مع الفناء يصل ذروته في نص «رثاء اللحظة الأخيرة»، ليقف الشاعر حزينا يرثي نفسه مودعا أربعين عاما من التأمل والضجيج الداخلي، وليفتح بشجاعة باب الغياب الأبدي والرثاء.
وسط هذه العتمة، ينبثق صوتٌ آخر شديد النقاء، صوت الإنسان البسيط المهمش الذي يجد في فقره ثراءً لا يُضاهى، وفي خياله ملاذا آمنا من قسوة الواقع، وفي نص “ككل الصيادين”، يقتنص نصر فرحته من براثن الشقاء، فيرفض عروش الذهب مكتفيا بمركب نجاةٍ مجازي، معلنا انحيازه التام للمهمشين والفقراء في بوح صوفي غاية في العذوبة
:
«لن أتمنى
أن أكون سلطانًا
وعرشي
من ذهب
أو ملكًا
على ندى الأرض
بل أفرحُ بفَقري
ككلِّ الصيادين
وعندي
مركب
يشبهُ النجاةَ
والشوق
وعندي شبكةٌ
أصطادُ بها
فرحي الهاربَ
في العمق».
هذا الرضا الكوني وتلك القناعة الصوفية، تجعله يقتسم نصف سعادته مع فقيرٍ يشبهه، ويغزل من مشاعره حَلَقا لأمه، ويصنع من الحلوى حصانا يمتطيه ابنه كفارسِ أحلام، وهو ذاته الشاعر الذي يعود ليؤكد هويته المجروحة في نص «ساحة السيدة» صارخا بأنه أفقر فلاحي الأرض، وأن جراحاته متعددة الأسى.
أما الحب، ذلك الملاذ الأخير الذي يلجأ إليه المتعبون، فلم يأتِ في نصوص محمود نصر كأغنيةٍ دافئةٍ ومكتملة الفرح، بل حضر كمعركةٍ خاسرة وأسطورةٍ تنضح بالألم والغياب
القسري، ففي قصيدة «سور الزمن»، يبدو الحنين إلى الحبيبة كخطيئة لا فكاك منها، مفارقةً تتجلى في تعلقه المطلق بطيف يرفض المجيء، حيث يناجيها بوجعٍ يقطر من بين الكلمات
:
«أنتِ
لا تأتين
على مركب الزمن
والحنين إليكِ
خطيئتي
فيها انحساري
ليتكِ
يا جار القمر
تطلين
على الأرض
ففي الأرض
أنا مجنون
بانكساري».
هكذا يتحول الحب إلى سجن اختياري، وتتخذ الحبيبة في قصيدة «ساحة السيدة» وجه السجان الذي يكبله ويزج به في زنازين العزلة الانفرادية كسجين سياسي.
وحين يستدعي التاريخ في «الحب في طروادة»، فإنه يؤسس طروادته الخاصة على أنقاض روحه، واصفا شعره بأنه مجرد خرافة في بيوت الحب، ويقدم لحبيبته مهرا جنائزيا سماه بمرارة «مقبرة الذهب».
من الناحية الفنية والجمالية، لم يقع الشاعر في فخ الاستعراض اللغوي المجاني بل نحت نصوصه بلغةٍ رشيقة، مكثفة وشديدة الإيحاء، تزاوج ببراعة فائقة بين انسيابية السرد وتشكيل المشهد الدرامي الخاطف.
تنبض القصائد بإيقاعاتٍ داخلية تتأرجح بين صخب الروح العاصف وهدوئها الجنائزي الرزين، وقد وظف التضاد بذكاء لافت ليبرز المفارقات الحادة في تجربته، كما في تساؤله الموجع عن بكاء أبيه الذي لم يعتد البكاء، كما شكل معجما شعريا خاصا تدور رحاه حول مفردات بعينها مثل «المرايا، النهر، البحر، الغياب، والحنين»، لنجده في ختام رحلته باحثا عن ملامحه الضائعة «خلف الزجاج»، في تأكيد قاسٍ على حتمية التشظي والانكسار
.
خلاصة القول، إن ديوان «مُدن تتبدل في دمي» يتجاوز كونه دفترا يضم بين دفتيه نصوصا متناثرة قُدّت من ألم، إنه سيمفونية شجنٍ أصيلة تعزف على أوتار الاغتراب والفقد، هو دعوة مفتوحة لكي نحدق طويلا في مرايانا الداخلية
المكسورة، ونتذوق ذلك الحزن النبيل الذي يصقل أرواحنا ويعيد تشكيل إنسانيتنا من جديد.
 لقد استطاع محمود نصر ببراعة الكبار أن يحول انكساراته الفردية الخاصة إلى وثيقة إنسانية شديدة العذوبة والصدق، وثيقة تترك فينا أثرا محفورا لا يُمحى، تماما كما تحفر وتتبدل تلك المدن الصاخبة في مجرى دمه.

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *