2026-06-21

حين يرقص «السيليكون» على «تفاعيل الخليل».. هل جربت أن تصبح شاعرا افتراضيا؟

أدباتية – أحمد زكي شحاتة: هل جربت أن تصبح شاعرًا افتراضيًا، أي أن تطلب من أدوات الذكاء الاصطناعي أن تكتب لك قصيدة.. كثيرون جرّبوا هذا الأمر، فجاءت القصائد كوزونة مقفاة لكنها خالية من المشاعر والأحاسيس، تمامًا كأنها جسد بلا روح. يجلس عم أحمد في زاوية مقهاه العتيق بوسط القاهرة، ينفث دخان نرجيلته ببطء، وبينما تنساب أغاني أم كلثوم من المذياع الخشبي القديم، يجلس شاب ممسكًا بهاتفه المحمول، يكتب في مربع البحث على تطبيق جيمناي: «اكتب لي موالًا صعيديًا عن الفراق»، وفي أقل من ثانيتين، بدأت الكلمات تتراص أمامه على الشاشة كالسحر، نظر الشاب مبهورًا، لكنه حين قرأ الأبيات على مسامع عم أحمد، ابتسم الرجل السبعيني وهز رأسه قائلًا: «الكلام موزون يا ابني، لكنه بارد.. جاف.. خالٍ من المشاعر، لا تفوح منه رائحة طمي النيل ولا حرارة شمس آب».. من هنا تبدأ الحكاية، فبين خوارزميات جافة تجوب الفضاء الرقمي

أدباتية – أحمد زكي شحاتة: هل جربت أن تصبح شاعرًا افتراضيًا، أي أن تطلب من أدوات الذكاء الاصطناعي أن تكتب لك قصيدة.. كثيرون جرّبوا هذا الأمر، فجاءت القصائد موزونة مقفاة لكنها خالية من المشاعر والأحاسيس، تمامًا كأنها جسد بلا روح.
 يجلس عم أحمد في زاوية مقهاه العتيق بوسط القاهرة، ينفث دخان نرجيلته ببطء، وبينما تنساب أغاني أم كلثوم من المذياع الخشبي القديم، يجلس شاب ممسكًا بهاتفه المحمول، يكتب في مربع البحث على تطبيق جيمناي: «اكتب لي موالًا صعيديًا عن الفراق»، وفي أقل من ثانيتين، بدأت الكلمات تتراص أمامه على الشاشة كالسحر، نظر الشاب مبهورًا، لكنه حين قرأ الأبيات على مسامع عم أحمد، ابتسم الرجل السبعيني وهز رأسه قائلًا: «الكلام موزون يا ابني، لكنه بارد.. جاف.. خالٍ من المشاعر، لا تفوح منه رائحة طمي النيل  ولا حرارة شمس آب»..  من هنا تبدأ الحكاية، فبين خوارزميات جافة تجوب الفضاء الرقمي ووجدان نابض يملأ حواري بلادنا، يجد كاتب المحتوى الرقمي والشاعر اليوم أنفسهم أمام تساؤل مصيري: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي حقًا أن يتحدث بلغة «الضاد» ويستسيغ طعم «البلاد»؟

«تفاعيل الخليل» في مواجهة «شفرات الرمز الثنائي»

يعتقد الكثيرون أن الشعر مجرد قواعد رياضية يمكن تلقيمها للحاسوب، وبالفعل، نجحت النماذج اللغوية الكبيرة في محاكاة بحور الشعر العربي، فصارت تصوغ أبياتًا على بحر «الطويل» أو «البسيط» دون كسر عروضي واحد، فالآلة التي تلقت تدريبًا مكثفًا على آلاف الدواوين القديمة عرفت كيف تقسّم البيت إلى تفعيلات «مستفعلن» و«مفاعيلن» بدقة متناهية، لكن الإشكالية الكبرى لا تكمن في الوزن بل في الروح التي تنساب من بين القوافي، فالذكاء الاصطناعي يتعامل مع لغة الضاد بوصفها «مصفوفات إحصائية الاحتمال»، يتوقع الكلمة التالية بناءً على ما سبقها من بيانات مخزنة، بينما الشاعر العربي يبني بيته من مواقف حياتية وتجارب إنسانية مريرةأو لحظات تجلٍ فريدة.
 العروض بالنسبة للكمبيوتر هو مجرد شيفرة ثنائية تتكون من حركات وسكنات، بينما العروض عند الشاعر هو نبض قلب يعلو ويهبط مع تدفق المشاعر الإنسانية.

معضلة «الموال» و«الارتجال».. هل تلتقط الآلة الشجن؟

يتميز الوجدان الشعبي المصري والعربي بخصوصية عصية على التشفير، فالارتجال ليس مجرد رص كلمات متناغمة، بل هو وليد اللحظة والتفاعل الحي مع الجمهور، ولنتأمل عناصر يعجز الذكاء الاصطناعي عن محاكاتها حالياً:

  • شجن الموال
     الموال ليس نظمًا شعريًا فحسب، بل هو صرخة وجع أو تنهيدة فرح، يحمل في طياته إرثًا من الشقاء البشري لا يمكن لرقائق السيليكون أن تشعر به أو تعيد إنتاجه بصدق، الموال يخرج من حنجرة المغني الشعبي متأثرًا برطوبة الجو وحزن الموقف وتفاعل الحاضرين، وهذا ما لا تملكه لغة الأرقام.

  • طعم الأرض والبيئة
    عندما يكتب الشاعر عن «الغروب على ترعة» في قرية بشمال الدلتا أو جنوب الصعيد، أو «زحام حارة» صاخبة في قلب قاهرة المعز فإنه يستدعي روائح وأصواتًا ومشاعر حقيقية ممتدة عبر الأجيال، في المقابل يجمع الذكاء الاصطناعي التعبيرات الأكثر تكرارًا في الإنترنت، فيأتي نصه كلوحة بلاستيكية زاهية الألوان لكنها بلا رائحة، هو يعرف كلمة «نيل» وكلمة «طمي»، لكنه لا يعرف كيف يمتزجان معًا في وجدان شاعر نشأ وترعرع في قلب الريف فلاح مصري.

    فإذا قال الشاعر الشعبي عبد الحميد عويس :

    « بالليل في المزرعة/ لقيت جنيّه قاعدة مستربعة/ لمّه حطب ومولعة…»، هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفهم ما يقصده بـ «مِستربّعة»، وحين يسأل عبد الحميد عويس جنيته عن مقر إقامتها فتقول: «ساكنة عند الصومعة»، هل تدرك الخوارزميات أن الصَومَعة المقصودة هي موقع جغرافي يعرفه قاطنو إصلاح شالما ودمرو الحدادي ومناطق شمال سيدي سالم في محافظة كفر الشيخ بشمال دلتا النيل، لكن لا تعرفه الأقمار الاصطناعية وأدوات المسح الجغرافي الحديثة؟!

  • المجاز الثقافي المحيط:
    الكنايات الشعبية  والاستعارات المأخوذة من صميم الحوار اليومي للمصريين تتغير وتتطور بسرعة مذهلة، وهو ما يجعل الآلة متأخرة دائمًا خطوة وراء نبض الشارع، فعندنا تقول شاعرة قديرة كـ بسمة شعبان:

    «ما ليش مالكة ولا برواز»، هل تستطيع الشيفرة الذكية تعريف كلمة «مالْكَة»، أو تَعرِف «القَال» كما شرّحها د. طه هنداوي في إحدى قصائده التي تؤرخ للألعاب الشعبية الريفية؟!

     الحقيقة أن الخوارزميات تحتاج إلى أشهر وربما سنواتٍ لكي تفهم «إيفيه» أو تعبيرًا مجازيًا يتداوله الناس، ولو كان على نطاق واسع.

    إنه سيخلط حتمًا بين مفردة عبد الحميد عويس «مستربعة» التي أراد التعبير بها كناية عن وضع الجلوس بثني الساقين ووضع القدمين تحت الفخذين، وبين «متسربعة» التعبير الشائع كناية عن الاستعجال والسرعة.

    وصومعة عبد الحميد عويس تختلف تمامًا عن صوامع الرهبان وخلوات أصحاب الفكر وأرباب القلم.

    وعندما يتحدث د. طه هنداوي عن «القَال» فإن أدوات الذكاء الاصطناعي لن تعرف إلّا أنها سوى «القيل والقال» من الخوض في أحاديث الناس وأمورهم الشخصية، و«مَالكة» الشاعرة بسمة شعبان ليست في عرف جوجل سوى من باب الامتلاك والاستيلاء بينما هي لم تقصد إلّا القنص والإمساك.

سيو (SEO) والذكاء الاصطناعي.. فخ المحتوى المتشابه

في عالم كتابة المحتوى الرقمي، يتسابق الجميع لإرضاء محركات البحث، وهنا استغلت الشركات أدوات الذكاء الاصطناعي لإنتاج آلاف المقالات يوميًا، لكن النتيجة كانت عكسية تمامًا، فقد امتلأت الشبكة العنكبوتية بنصوص متشابهة، خالية من البصمة البشرية، تفتقر إلى ما تسميه جوجل «الخبرة والتجربة الشخصية» فالقارئ الذكي يكتشف فورًا النص المصنوع بواسطة الآلة، لأنه يشعر ببرودته وصياغته الدائرية التي تعيد نفس الأفكار بكلمات مختلفة.
 إن الخصوصية الثقافية لكل بلد هي السلاح السري لكاتب المحتوى البشري، فعندما تكتب مقالًا متوافقًا مع السيو ولكن بروح مصرية أصيلة واستشهادات من واقع الحياة اليومية، فإنك تجذب القارئ وتجعله يقضي وقتًا أطول على الموقع، وهو ما تفضّله خوارزميات البحث وتكافئه بالظهور في النتائج الأولى.

حدود التكنولوجيا وخصوصية الوجدان 

تكمن حدود التكنولوجيا الحالية في أنها تصنع محتوى نمطيًا يفتقر إلى الهوية بصورة واضحة، فالذكاء الاصطناعي بإمكانه أن يصبح مساعدًا ممتازًا لكاتب المحتوى يرافقه في جلسة عصف ذهني أو يصحح له أخطاء لغوية أو يقترح عليه عناوين جذابة، لكنه يعجز تمامًا عن تعويض «الخصوصية الثقافية»، فالنص الرقمي الذي يلمس قلوب القراء هو ذلك الذي يشبههم ويحمل لهجتهم ويعبِّر عن أزماتهم الحقيقية، وهو ما يفتقده الذكاء الاصطناعي الذي يتعامل مع الثقافة العربية وكأنها كتلة واحدة مصمتة، فيدفن الفروق الدقيقة بين بيئة ريفية أو ساحلية  أو بدوية، فالآلة لا تفرق بين نكتة تقال في الإسكندرية وأخرى تقال في أسوان، بل تصهر الجميع في قالب لغوي محايد يفقد النص هويته وجاذبيته.

مستقبل صناعة المحتوى.. صراع أم تكامل؟

إن التحدي الحقيقي الذي يواجه كاتب المحتوى والشاعر اليوم ليس في محاربة هذه الأدوات التكنولوجية المرعبة، بل في كيفية التفوق عليها إنسانيًا فالآلة ستستمر في التطور، وستصبح أكثر قدرة على محاكاة العواطف وتوليد النصوص الموزونة بدقة محيرة، لكنها ستبقى دائمًا محاكاة صماء تحتاج إلى من يمنحها الحياة، ويبقى الوجدان المحلي والارتباط بالأرض هو الحصن المنيع للإبداع البشري، فلا يزال «الكمبيوتر» قادرًا على ضبط تفعيلات البحر لكنه يقف عاجزًا عن ضبط «المزاج»، إنه بالفعل يتقن الوزن والقافية لكنه لا يعرف أبدًا كيف يزن قلوب البشر، بينما المبدع الحقيقي هو من يستغل سرعة الآلة ليتحرر من المهام الروتينية ويتفرغ لضخ روحه وخبراته الإنسانية في كل نص يكتبه ليبقى النص بشريًا بامتياز.

About The Author