أدباتية – هشام عواض: في أقصى جنوب الجزائر، وسط الواحات الحمراء ونخيل التمر الممتد على مد البصر، تقع بلدية المطارفة التابعة لولاية تيميمون، وهي بلدة عدد سكانها قليل مقارنة بمدن الجزائر الكبرى، لكن تراثها وثقافتها أكبر بكتير من مساحتها على الخريطة.
المطارفة تعتبر جزءا من إقليم قورارة التاريخي، المنطقة اللي كانت لقرون محطة مهمة على طرق القوافل التجارية بين شمال أفريقيا وبلاد السودان في غرب أفريقيا. القوافل كانت تنقل لغات وعادات وأغاني وأفكارًا وليس مجرد بضائع فقط، ما خلق ثقافة فريدة لا تزال قائمة حتى اليوم.
أول ما يلفت الانتباه في المطارفة القصور الصحراوية المبنية بالطين الأحمر، بيوت متلاصقة وأزقة ضيقة مصممة لتواجه حرارة الصحراء والعواصف الرملية. هذه القصور ليست مجرد مباني قديمة، لكنها سجل حي لحياة أجيال عاشت في قلب الصحراء واعتمدت على الزراعة والتمور ونظام «الفقارة» الشهير، وهو شبكة عبقرية من القنوات الجوفية كانت تنقل المياه للمزارع قبل ظهور التكنولوجيا الحديثة.
وسط هذا التراث الغني، يظهر واحد من أشهر الفنون الشعبية في المنطقة، والذي يتمثل في «رقصة صارة»، ويكتبها البعض أحيانًا «سارة» وهي رقصة جماعية مرتبطة بالأفراح والأعياد والمواسم الدينية والاحتفالات الشعبية. من يشاهد هذه الرقصة لأول مرة قد يعتقد أنها مجرد رقصة بسيطة، لكن الحقيقة إنها جزء من هوية المجتمع المحلي.
في صارة بيقف الرجال في صفوف أو دوائر متقابلة، ويتحركون بخطوات متناسقة على إيقاع التصفيق الجماعي، حيث لا يوجد استعراض فردي أو نجم واحد للمشهد، لأن الفكرة كلها قائمة على الجماعة والتكاتف ووحدة أهل الواحة.
الغناء المصاحب للرقصة يختلف عن الأغاني التقليدية المعروفة وهو د أقرب للإنشاد الجماعي والمدائح الدينية.
ومن أشهر العبارات اللي تتردد خلال بعض العروض: «رسول الله.. رسول الل»”، في مشهد يجمع بين الاحتفال الشعبي والروح الدينية اللي بتميز مجتمعات قورارة وتوات وتيديكلت
الجميل في صارة أنها تحمل آثار تاريخ طويل من التفاعل الثقافي، والإيقاع الجماعي القوي والتكرار الصوتي ما يوضح تأثيرات عربية وأمازيغية وأفريقية جنوب الصحراء في نفس الوقت، وهذا طبيعي لمنطقة كانت لقرون ملتقى للناس القادمين من اتجاهات مختلفة عبر الصحراء الكبرى.
حتى الملابس لها دلالتها، فـ الجلاليب والدراعات الصحراوية البيضاء والعمائم التقليدية تعطي المشهد طابعا مميزا ومُهيبا مع وجود أعداد كبيرة، وكأن الرقصة امتداد طبيعي لحياة الواحات نفسها.
عندما نشاهد مقطعا مصورا لرقصة صارة في المطارفة، فإننا لا نشاهد رقصة شعبية فحسب، بل جزء من ذاكرة الصحراء الجزائرية، وتراث حافظ عليه السكان عبر أجيال طويلة رغم تغير الزمن.
صارة ليست مجرد رقص وغناء.. صارة حكاية مجتمع كامل، وحكاية واحة استطاعت أن تحتفظ بروحها وسط رمال الصحراء الممتدة لآلاف السنين.
More Stories
سيكولوجية الإنجاز الملموس.. آليات الروتين اليومي في العصر الرقمي
تفاعل جماهيري واسع مع عروض “شارع الفن” بالإسكندرية
“ثقافة الهجرة.. بناء الأمة وتهذيب المجتمع” في نادي أدب سيدي سالم