9 سبتمبر، 2026

«غفوة هوميروس».. متعة رصد «الهفوات الأدبية» في كتابات الكبار

0
غفوة هوميروس- مغالطات تاريخية - ادباتية

أدباتية: تظل العقلية الإنسانية حقلًا خصبًا للسهو والخطأ، فكل ابن آدم خطّاء، وقد جلّ من لا يسهو، مهما بلغت درجة النضج الإبداعي أو وصل التحليق في معارج البلاغة والبيان.
صفحات الأدب العالمي والعربي -على حد سواء- شهدت وتسهد وستشهد لحظات غفوة شاردة وقع فيها عمالقة الفكر والكتابة في أخطاء جغرافية وتاريخية ومنطقية لم تفقد أعمالهم بريقها، بل أضفت عليها بعدا إنسانيا آخر يكشف أن النص الأدبي كائن حي يتنفس بالجمال والنقص في آن واحد.
إن متعة رصد «الهفوات الأدبية» لا تهدف إلى انتقاص قيمة المبدع بل تسعى للغوص في جغرافيا الذهن البشري أثناء لحظة التجلّي الإبداعي وكيف يتغلب التدفق الشعوري على الحسابات الدقيقة للواقع والمكان.

تتجلى هذه الهفوات بوضوح في الأعمال الأدبية الكلاسيكية التي نسجها كبار الكتاب حيث تسلل الخلل المنطقي والجغرافي إلى المتن دون أن يلاحظه المبدع في حينه، ففي الرواية الشهيرة «روبنسون كروزو» للكاتب الإنجليزي دانييل ديفو يخلع البطل جميع ملابسه ويسبح عاريا للوصول إلى السفينة الغارقة كي ينقذ المؤن والعتاد، ليفاجأ القارئ بعد صفحات قليلة بأن البطل يملأ جيبيه بالبسكويت من السفينة دون تفكير في كيفية وجود جيوب لشخص يسبح عاريا في الماء.
 وعلى ذات المنوال نجد السير آرثر كونان دويل، صاحب الشخصية البوليسية الأشهر «شيرلوك هولمز»، يصاب بغفوة منطقية تتعلق بذاكرة الجسد حيث يعاني المحقق ومساعده الدكتور واطسون من تبعات إصابته في الحرب إذ أشار الكاتب في رواية «دراسة في اللون القرمزي»، إلى أن الإصابة كانت في كتفه لكنه بعودته للحديث عن نفس الجرح في رواية «علامة الأربعة» جعل الإصابة ترحل بقدرة قادر إلى ساقه وهو الأمر الذي يثير –بلا شك- دهشة القراء المتابعين لدقة تفاصيل الأدب البوليسي.

أما على الصعيد الجغرافي والتاريخي، فإن هفوات كبار الشعراء والأدباء لم تكن أقل طرافة، إذ نجد الشاعر الإنجليزي الخالد ويليام شكسبير يجرد جغرافيا أوروبا في مسرحيته «حكاية شتاء»، عندما يمنح مملكة بوهيميا المغلقة صحراء وشاطئا بحريا على الرغم من كونها دولة حبيسة لا تطل على أي بحار.
 كما جعل في مسرحية «يوليوس قيصر» الساعات الدقاقة ترن في روما القديمة قبل اختراعها بمئات السنين، وفي الأدب العربي لم يخلُ المتن من سقطات مشابهة تحاكي غفوات الكتاب الغربيين الكبار، إذ نجد في بعض الروايات التاريخية والاجتماعية أخطاء في تحديد المسافات بين القرى وأسماء الشوارع القديمة أو تحديد العصور التاريخية للشخصيات والمباني دون أن ينقص ذلك من القيمة الفنية للعمل أو يحرم القارئ من متعة الغوص في عوالمه السحرية.

تكتسب هذه الأخطاء بعدا آخر عندما تلعب المترجمات دورا في تعميق الهفوة أو اختلاق هفوات جديدة، نتيجة عدم الدقة في نقل البيئة الجغرافية أو الثقافية للنص الأصلي، حيث نجد في بعض الترجمات العربية للروايات الروسية أو الغربية خلطًا بين خطوط سير القطارات وتسميات الأنهار والمدن، ما يخلق منطقا جغرافيا مشوها لدى القارئ المترجَم له، لكن هذه السقطات تظل مقبولة في سياق العفوية الفنية وتدفق السرد الذي يطغى على التدقيق الأكاديمي الصارم.

إن قراءة الأدب من زاوية الأخطاء الساهية تمنح القارئ المعاصر فرصة للتفكر في طبيعة الفعل الكتابي بوصفه تجربة بشرية خالصة لا تدعي الكمال كما تعيد إحياء مفهوم «غفوة هوميروس»، الذي أطلقه الناقد الروماني هوراس إشارة إلى أن أعظم الشعراء قد ينامون أحيانا أثناء نسج الملاحم.
 إن السحر الأدبي لا يكمن في خلو النص من الأخطاء بقدر ما يكمن في قدرة الكاتب على حياكة عالم خيالي متكامل، يأسرك بجمالياته ويجعلك تغفر له جيبا غامضا في سراويل غائبة أو شاطئا مفترضا لبحر لا وجود له.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *