أدباتية – أحمد زكي شحاتة: في الدلتا حيث مصبُ النهر الخالد، يقف الناسُ حيارَى مشدوهين بمجاذيبَ اختاروا الشعرَ إمامًا، منهم عرفاء، منهم فقهاء، ومنهم مَن أرسله الشعرُ نبيًا؛ ليحدِّثَ قومَه، يُهدِيَهم سُبُلَ غُوايتِه.
عندما نتحدثُ عن محمد صبحي نصر، فإننا نتحدثُ عن جيلٍ كامل من أولئكَ المجاذيب نُسّاكِ القصيدة، ومريدي الحرفِ البهي الشجي النقي.
في تقديري، هو جيلٌ يبدأُ من منير رمضان وعزيزة الشراكي، وينتهي بأحمد فؤاد هاشم ومحمد خير الله، مرورًا بالكثيرين جدًا من الأوفياء للنص، تتفاوت الأعمارُ وتقتربُ التجربة مع اختلاف التناول.
قبلَ أن نلجَ إلى ديوانِ «أموت واقف»، نجد أنفسَنا حائرينَ في توصيف ما احتواه من إبداع.
هل هو شعرٌ عامي، أم هو شعرٌ شعبي، أم زجل، تبرزُ هنا إشكاليةُ المصطلح قبل الولوجِ إلى عالم الديوانِ الذي يجمع بين الألوان الثلاثة في تناغمٍ عجيبٍ مدهش، إذ جاءت نصوصُه بأكملِها في سياقٍ ضامٍ جامعٍ لكل تصورات الإبداعِ الدارجِ على ألسنةِ العامة، بل إنه تعدى ذلك بكثيرٍ حين أطلّ علينا بمفرداتٍ في غاية الفصاحة يوظّفها بسلاسة وسط تراكيب عامية دون اضطراب لدى المتلقّي.
فالزجلُ وفق تعريفِ صفي الدين الحِلِّي، هو أرقى الفنون الشعرية غير المعربة، بينما شعر العامية هو تعبيرٌ عن الجماعةِ ولها ملتزمًا بمفردات لا تخرج عن سياق الذوق العامِ كما يحدث في الزجل أحيانًا، يعبر شاعرُ العاميةِ عن الجماعةِ ولها لكنه لا يستطيعُ التعبيرَ بها وإلّا أصبح شاعرًا شعبيًا كبيرم التونسي مثلًا الذي لُقّبَ بشاعرِ الشعب، ومحمد صبحي نصر في قصائد عديدة بهذا الديوان يعبر عن المجموع ويعبر به وله، كما انه يجنح في كثيرٍ من القصائد إلى السخرية والنقد اللاذع تمامًا كما يفعل الزجالون، فجاء الديوان بتوليفةٍ خاصةٍ مبهرة.
عنوانُ الديوانِ «أموت واقف»، يضعنا أمام ملخص لشخصية الشاعر محمد صبحي نصر، أموت واقف، في عزةٍ وشموخٍ لا استكانة لديه ولا خضوع، لكن ما إن نستغرقَ في النص الرئيسِ الذي يحملُ الديوانُ اسمَه سنكتشفُ أنه يتراجع أحيانًا عن صلابتِه، ويؤكدُ بكل صراحةٍ ووضوح أنّ لديه الاستعداد للتسليم والخنوع، فما هذا التناقض؟
سنكتشف أنه لا تناقض البتّة إذ أعدنا قراءةَ النص، لنلاحِظَ أنه يخضعُ ويخنعُ ويقدّمُ فروضَ الولاءِ والإذعان فقط للحبيبةِ/ الوطن، وما دون ذلك سيبقى على عهده صلبًا لا يلين، و«ولو يبقى لي انا الفتافيت»!
لكن حين يخاطب الحبيبة/ الوطن يناديها:
«يا ست الكل ياغالية
يا شاغلة كل تفكيري
أعيش زنهار على اعتابك
ولجلن تفتحى بابك
أكون من ضمن خدامك»!
إذَنْ لا تناقض إطلاقًا، لأنّ ما نمنعه عن الآخر، نجود به من أجل أن يحيا الوطن.
ثم يواصلُ محمد صبحي نصر، توصيلَ الفكرة التي يبررُ من خلالِها اختيار هذا العنوان، ليرسمَ في قصيدة «لتّموك»، خمسَ لوحاتٍ تلخّص لحظةَ الانتقالِ من عالمِنا الضيق في الدنيا، إلى الآخرة ببراحِها الفسيح، فيقول في اللوحة الأولى:
” لتموك “
لتمّوا فيك الحياة
قطّعوا كل اللى فاضل
من معايير انتمائك
للسفر والارتحال.
وفي اللوحة الثانية
«مددوك»
فوق جبين القهر
متمدد ضعيف
قلبوا فيك المواجع
واللي متمدد وواجع
جوا منك
مددوه
حددوها وحددوك
أمّا اللوحة الثالثة، فيقول فيها:
” غسِّلوك “
غسّلوا فيك الحقايق
شمتوا فيك الخلايق
شوّهوا قلبك يا دوب
مزّعوها ومزّعوك.
ثم ينتقل بنا إلى اللوحة الرابعة:
” كفنوك “
جوّه وهم وزيف خانوك
لففوك الكون وحيد
بعتروا منك بعيد
جمّعوا فيك السخافة
والبلادة والانكسار
عبّوا قلبك بالمرار
فاضل ايه تاني هيحصل
لجل ما يحنّوا عليك
يخطروك
إنك خلاص
راح
يدفنووووووووووووووووووووووووك.
وكلمة “يدفنوك” هنا بعلامتي التنصيص اللتين تحتجزانها، لا يستطيع محمد صبحي نصر أن يشرحَ ما بعدها، لأنّ عملية الانتقال هنا تمت، وَوُريَ الجسدُ الترابَ فلم نعد نرى ما جُنَّ علينا تحتَه.
عبد المنعم مطاوع رحمة الله عليه، لعب نفس اللعبة، بأربع لوحاتٍ تشكيلية، بقلم الرصاص سأله مرافقوه عن مقصدِه فقال:
الأولى: عبد المنعم مطاوع وقد أسلمَ الروحَ إلى بارئِها، وفي الثانية: مددّوني فوق أريكةِ المُغسِّل، الذي يتولّى في اللوحة الثالثة تخليصي من أدناسِ الدنيا كي ألقى اللهَ طاهرًا من شوائبها، وفي الرابعة: ألبسوني الكفنَ الأبيض، وفي اللوحة الخامسة رأوا شخبطاتٍ وكشوطًا سألوه، ماذا تقصدُ هنا: قال هنا يرقد عبد المنعم مطاوع في القبر.
وقيلَ إنه لم يظهر بعدها أبدًا وتوفي في صباح اليوم التالي، فرحمةُ الله عليه.
ويمضي محمد صبحي نصر، على نفس المنوال، لكنه يتخلّى عن ريشة التشكيلي ليبدأ في تقديم مشاهدَ مسرحية معبّرة عن مضمون مجموعتِه الشعرية، ففي قصيدة « أول أنفاس الآخرة» يؤدي محمد صبحي نصر مشاهد مسرحية « من لحظة لما ركبت الباص
وعنيا ما فارقتش عنيه..»، حتى « لقيناه فجأة بيتنفس
أنفاسه الأولى
لدخول أول مدخل
للآخرة ..
واتمدد ع الكنبة و ………. !!».
ويسدل الستار بعدة نقاط على السطر بين قوسين، تاركًا الاختيار للمتلقي كي يضعَ بنفسه كلمة النهاية
وهو ما يتكرر في قصائد عديدة، مثل «أنا المصري» وقصيدتِه إلى روح الرئيس جمال عبد الناصر، وغيرِها من النصوص التي يستصرخ فيها الذات ويحثها على النهوض مجددًا من كبوةِ الجَواد.
استلهام التراث وتوظيف عناصر الفولكلور واضح جدًا في الديوان، ما ينمّ عن ثقافة عميقة ومتقعرة، فهو يتكئُ على الموروث التنزيلي ويستشهد بالسماوي والإلهي في معظم قصائِده، وعلى سبيل المثال: في قصيدة «حملك تقايل»، ملخصًا قصة سيدنا نوح في جملتين اثنتين:
« يا سفينة روحي وحمّلي
من كل شىء بالجوز»، مشيرًا إلى قولِ الله تعالى:
« قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْن »، الآية رقم 40 من سورة هود.
وفي قصيدة « أول أنفاس الآخرة»، لماذا لم يقل «آخر أنفاس الدنيا»، لانه أراد أنّ يخبرَ المتلقّي أن هناكَ حياة أو حيوات أخرى، وأنّ الأمرَ ليس مقتصرًا على الدنيا فقط، وهنا أيضًا استشهادٌ بالتنزيل، فكل الأديان السماوية تؤكد أنّ هناك حياة أخرى، أو حياة آخرة.
القصيدتان، أتى فيهِما محمد صبحي نصر بما لم يستطْعه الأوائلُ –كما يقولون- لأنّه وظّف مفردات تكنولوجية ومصطلحات تقنية لا يعرفها الكثيرون، وقت كتابة القصيدتين، اللتين أجزمُ أنني كنتُ شاهدًا على ميلادِهما، فلم يكن لدينا كلّ هذا الزخم التكنولوجي والاستخدام الموسع للأجهزة الذكية وقت خروج النصين لفضاء الورق.
More Stories
سيكولوجية الإنجاز الملموس.. آليات الروتين اليومي في العصر الرقمي
تفاعل جماهيري واسع مع عروض “شارع الفن” بالإسكندرية
“ثقافة الهجرة.. بناء الأمة وتهذيب المجتمع” في نادي أدب سيدي سالم