2026-06-20

كامل جاد سمرة يكتب: «غناوي الغلابة».. حين يتحول الشعر إلى مأوى للفقراء

غناوي الغلابة - رابح شهاوي - ادباتية
غناوي الغلابة... ليس ديوانا، بل "أغنية خافتة"، تنبع من روح أم، ووجع فلاح، وضحكة طفل بلا عيد، وحلم مؤؤجل على الرصيف..

أدباتية: أيها السادة والسيدات.. في زمن ضج بالأصوات، وافتقر إلى الصدى الحقيقي، يأتينا الشاعر رابح شهاوي، ليس بكتاب جديد فحسب، بل بصوت قديم يتقن الإصغاء لنبض الشارع.
ديوان ” غناوي الغلابة”، الصادر عن دار البديع العربي للطباعة والنشر عام ألفين وخمسة وعشرين، لا يُقرأ كديوان شعر، بل يستقبل كوثيقة وجدانية، خلاصة عمر في ميادين الكلمة، ونبض القرى، وندوات الثقافة في محافظة كفر الشيخ.كامل جاد سمرة - ادباتية
إنه ليس عملا شعريا عابرا، بل مخاض طويل استغرق سنوات من التتهذيب الشعري، والانخراط الوجداني، والكتابة من موقع الإنسان المهمش، لا عنه.
يضم الديوان تحديدا خمسا وعشرين قصيدة شعرية، تنوعت ما بين القصيدة الحرة ذات البنية المفتوحة، والموال الشعبي، وترنيمات وأغنيات ذات معنى عميق.
تشكل عناوينها وأبوابها أوجاعا وأحلاما لا تزال تنبض في الهامش، وتنتظر من يكتبها.
أولا: المضامين الكبرى:
يتوزع الديوان على ثلاثة محاور رئيسة:
المحور الأول: الغلابة كمفهوم شعري وإنساني..
الغلابة ليسوا مجرد “فقراء”، بل هم أبطال القصائد
في “حلم الغلابة”، و”أه يا غلابة يا حنا”، نجد كيف تتحول المعاناة إلى أغنية، واليومي إلى مجاز.
حلم الغلابة بالأمان / في بلدنا أصبح مستحيل / أصل الغلابة من زمان / ملهمش عزوة ولا نصير.
المحور الثاني: الوطن والانتماء..
الوطن لا يقدم في صورة سياسية، بل كشجرة تسكن العظم
في “بلدي”، “من هنا شهد التاريخ”، و”مش هسلم”
كده برضو يا بلدنا / تدور بينا السنين / لو انتي ناسية صوتي / يبقى انتي لكي مين؟ / أنا ليكي وانتي ليا / إزاي تقسي عليا؟
المحور الثالث:
الحنين والوجد الشخصي..
في “أنا إنسان”، و”يحيا الأمل”، و”ابن الأصول”، تطرح العلاقة مع الذات، ومع الآخر، والماضي، لا كترف شعري، بل كاحتياج
ثانيا: البناء الفني

تنوعت البنى بين القصيدة الحرة، والموال، والأغنية الشعبية.

لا يسير الشاعر على خط إيقاعي واحد، بل يستدعي نغمة كل موقف.

التكرار المقصود، والجمل القصيرة، والقافية غير المتكلفة، كلها تشكل إيقاعا داخليا خاصا

ثالثا: اللغة والأسلوب.

العامية هنا ليست لغة بسيطة، بل لغة شعرية مصفاة، لا تبتذل الأحزان، ولا تسقط في النمطية، بل تستخرج البلاغة من بطن الحياة.

في قصيدة “مش هسلم”، نجد الحكمة الشعبية تصير شعرا، وتصبح أشبه بالهتاف النابع من سويداء القلب: مش هسلم لأجل عيونك / مش هبيعك يوم للجاني / مش هسلم للي يخونك / والله ليكتبها زماني / حبك ساكن كل كياني

رابعا: الصورة الشعرية الصور مستمدة من الذاكرة اليومية..

رسيني على الوضع يا خال / عقلي شت من الأحوال / الجيب فاضي ودخل مفيش / وأنا بحلم برغيف العيش

إنها صور محمولة بالصدق والبساطة العميقة، وتنتمي إلى ما يسميه النقد المعاصر: الواقعية العاطفية.

خامسا: الرؤية الشعرية:

الشاعر في هذا الديوان ليس محللا اجتماعيا، ولا واعظا، بل ناقل إحساس جمعي، بصوت لا يدعي النبوءة، بل يفتح أذنه ويديه وقلبه.

لقد تلبس دور الحكاء الذي يتجرع من نفس الكأس مع الغلابة، لا الكاتب,

فجاءت القصائد أقرب إلى جلسات المصطبة، وحوارات الجيران، ونبرات الحزن الجميل.

سادسا: المرجعيات والأثر:

يحاكي هذا الديوان تجارب الأبنودي، وسيد حجاب، وفؤاد حداد

لكنه لا يقلدهم، بل يشاركهم هم الإنسان، ويجترح مسارا خاصا

لمسة وفاء:

نربت اليوم، بكلماتنا هذه، على كتف الشاعر رابح شهاوي، شاعر الأرض والصبر والماء، بل شاعر الغلابة

ونقول له:

إن لم ينصفك الضوء

فقد أنصفتك القصيدة

وكن على ثقة تامة

بأنك قامة فكرية باسقة

وستحملك الذاكرة الشعرية طويلا

لأنك كتبت للقلوب لا للعناوين

خاتمة:

غناوي الغلابة… ليس ديوانا، بل “أغنية خافتة”، تنبع من روح أم، ووجع فلاح، وضحكة طفل بلا عيد، وحلم مؤؤجل على الرصيف.

إنه الشعر حين يخرج من ضمير الناس، لا من خيال النخبة

وشكرا لكم…

اقرأ أيضًا:

حميد المصري يكتب عن «غناوي الغلابة»: صوت الكلمة العالي في ديوان رابح شهاوي

د. طه هنداوي يكتب: «الطوفان».. قراءة في ديوان «غناوي الغلابة» لرابح شهاوي

رانيه متولي بلاط يكتب عن «حمدان حلمي»: مريد في حضرة الشعر البهي

«تقنيات السرد وجماليات المشهد».. محاولة لتشريح الواقع الإبداعي الفلسطيني

أحمد إبراهيم عيد يكتب: تداعيات أنات الجوى في «أزمنة بلهاء»

الشاعر الكبير أحمد شلبي: «القصيدة» لم تسقط أمام صعود «الرواية».. و«النقد» لا يستطيع توجيه «الذائقة»

 

About The Author