31 أغسطس، 2026

«مقاولة».. د. أسامة عطوان

0
مقاولة - اسامة عطوان - ادباتية (1)

نزل المطرب من سيارته الفارهة، وترجّل محاطا بالبودى جاردات الذين يتولون حمايته من تطفل المعجبين كما هى الحال حديثا مع النجوم الكبار والشخصيات الهامة، وإن كانت الحقيقة الأصدق أنهم يُكملون ديكور النجومية ويضفون على صاحبها مزيدا من الوجاهة والأهمية، .. لم يجد النجم المحبوب تلك الحشود المتدافعة التي اعتادت أن تحيط بسيارته كلما وصل إلى أماكن الحفلات التى يحييها فى محاولة منهم للوصول إليه والاقتراب منه لنيل شرف تحيته واقتناص صورة سيلفى معه تكون مثار شرف وفخر لصاحبها، وذكرى ثمينة ربما كانت الإرث الوحيد الذى سيورثه لأبنائه، .. وقف النجم اللامع متعجبا وسط رجاله الذين يبدو أنهم قد أصبحوا بلا عمل، وتقدم إليه مدير أعماله الذى كان فى انتظاره ليصطحبه مطارَدا بعدسات الكاميرات وطلقات الفلاشات المبهرة إلى داخل السرادق الفخم المقام على مساحة شاسعة لا تكاد العين تدرك آخرها، بينما الأضواء الكثيفة الملونة فى الداخل والخارج قد حولت ظلمة الليل إلى نهار زاعق الضوء يكشف عن كل التفاصيل الصغيرة.
.. كان المكان مزدحما عن آخره، وكانت الفرقة الموسيقية قد اتخذت مواقعها مبكرا، وبدأت فى عزف ألحانها الصاخبة بمجرد أن نزل المطرب من السيارة معلنة عن بدء الحفل السعيد، ومعها التقط النجم المحبوب المايك اللاسلكى الذى ناوله إياه أحد مساعديه، وبدأ من مكانه استعراض قدراته الصوتية و حنجرته الذهبية بتنويعات مطولة بين يا ليل ويا عين ليفتتح بها الموال الذى سيصحبه حتى يصل إلى مكانه المحدد أمام الفرقة الموسيقية، لتصرخ بعدها الألحان المجنونة وتبدأ فى استدعاء حالة الهستيريا المتعارف عليها في مثل هذه الحفلات.
.. لاحظ الفنان أثناء دخوله أن الأمور هادئة بشكل مبالغ فيه، وأن أحدا سوى مساعديه لم يلتف حوله أو يعوق طريقه، بدا الأمر مقلقا جدا، ورغم أن الوقت لم يستغرق سوى دقيقتين حتى استقر بين أفراد فرقته، إلا أن الصمت المريب والهدوء القاتل جعل من عشرات الثوانى المنقضية دهرا لا يمكن حسابه بمقاييس الزمن.
.. كان المشهد غريبا والمفاجأة صادمة، وعشرات الأسئلة المنطقية تتداعى فى رأسه (المِتكلفة) لتفجّر اتزانها وتغتال انبساطها المصنوع، .. ماذا يحدث هنا؟! .. كل الحاضرين رغم كثافتهم مستقرون فى أماكنهم فى هدوء ووقار رغم الزحام الشديد، .. العيون ترمقه باستغراب وبلا انبهار أو إعجاب حتى لو كان مصطنعا، .. إنها مؤامرة بلاشك يقف وراءها أحد منافسيه الكبار الذين يؤلمهم نجاحه والتفاف الجمهور من حوله، فمن منهم ياترى يقف وراء هذه المؤامرة؟، ولماذا ينفق أموالا طائلة ليدبر لى حفلا فاشلا، بل ولابد إنه أيضا قد دفع أموالا أكثر ليستأجر هذا الجمهور الصامت!!.
.. كان عليه أن يتصرف بسرعة، ماذا سيفعل الآن؟.. هل ينسحب؟!!، إن هذا الحفل سيقضى عليه نهائيا، وسيهبط بنجوميته إلى آخر الصفوف، ولابد أن أجره المرتفع جدا سينهار، وربما لن يطلبه أحد مجددا.
.. بدا الفنان مقتنعا بوجود المؤامرة الكونية، ومقتنعا أكثر بجدوى منطقها الخبيث، يالها من خطة شيطانية، وياله من تخطيط عبقرى قذر ولكنه محكم يستحق صاحبه الإعجاب، ولكن من هو هذا المتآمر؟! وماذا يمكن أن أفعل معه؟ والأهم ماذا سأفعل الآن؟!
.. كان الرجل مرتبكا زائغ العينين، يتفحص الحضور الصامتين باستغراب شديد واستنكار مفهوم، لم يكن منتبها أن الفرقة قد أعادت المقدمة الموسيقية التى سيغنى عليها عدة مرات حتى سمع همهمات متكررة من خلفه تنادى؛ ياللا يا أستاذ .. تلفّت حوله ليلقى التحية على العروسين كما هى العادة، ولكن أين هما؟ .. العروسان ليسا فى أماكنهما، بل إنهما ليسا موجودين من الأساس، تساؤلٌ جديد قفز إلى رأسه ليناطح تلك التساؤلات المزدحمة فيها، ويطرح لغزا جديدا يضاف إلى الألغاز التى تبدو بلا تفسير، هل وصلت المؤامرة إلى إشراك العريس والعروسة فيها؟ أم إنه عرسٌ مزيف من أجل الإيقاع به والنيل منه؟ .. الآن اكتملت الصورة فى مخيلته، مؤامرة دنيئة يقف وراءها أحد الحاقدين عليه من زملاء المهنة، فرحٌ مزيف، ومعازيم كومبارس تجلس فى أماكنها بلا حراك، وموسيقى صاخبة يتعالى ضجيجها بين جنبات متحف للتماثيل الصامتة، والنتيجة المحتومة ستكون حفلا فاشلا ينهى مسيرة نجاحه ونجوميته، ويقضى تماما على مستقبله الفنى، .. كان عليه أن يفكر سريعا كيف سيخرج من هذه الورطة، الأفضل أن يغادر هاربا وأن يعيد العربون الذى تقاضاه، .. نعم هذا هو الحل الأمثل، .. جاءه مجددا صوتٌ من خلفه أكثر حدة هذه المرة؛ متشغلش دماغك يا أستاذ .. مقاولة وهتعدى، عايزين نخلص منها وناخد الأُبيّج ونفكر فى غيرها، .. اركب اللحن يا فنان، احنا بنعيد فى المزيكا بقالنا ساعة، .. سرح الفنان بخياله بعيدا .. لا .. الهروب ليس هو الحل الأمثل كما يعتقد، فلابد أن الأمر سيخلق أزمة كبيرة مع أصحاب الفرح، ولابد أن هناك الآن من يصور ويوثق كل لحظة من لحظات هذه المأساة ومن كل الزوايا، لتكون بعد ساعات حديث السوشيال ميديا وترند الموسم، وستصبح المصيبة عدة مصائب فى آن واحد.
.. مع صراخ قائد الفرقة مجددا بلهجة شبه آمرة؛ انطق يافنان.. بدأ المطرب مترددا فى إطلاق الآهات التى لم تكن فى الحقيقة آهات الطرب الأصيل، وإنما كانت فى واقع الأمر آهات الألم والحسرة التى يشعر بها، أدرك الفنان أن عليه أن يكمل، وبدأ صوته مترددا يعلو شيئا فشيئا محاولا استعراض إمكاناته الصوتية التى يبدو أنها ستخذله وسط هذا الصمت المريب وهذه الأصنام الخرساء التى لا تنتوى التفاعل مطلقا مع فنه حتى ولو بالرفض أو الاستهجان.
.. وسط صمت القبور استمر الموسيقيون فى العزف، وتصاعد صوت المطرب أكثر فأكثر فقد انفصل تماما عما حوله، وأصابته حالة الهستيريا المجنونة التى كان من المفترض أن يصدّرها هو للحضور، .. لم يعد يغنى بصوته فقط، بل أصبح يغنى بصوته وجسده وحركاته المجنونة، وأيضا بخوفه مما هو آت، وفجأة ووسط هذا المشهد المتناقض جاء من بعيد صوت أحد المعازيم، .. الله .. الله ، وماهي إلا لحظات حتى رددها خلفه الكثيرون، وكأنما أرادوا أن يلقوا للمطرب بطوق النجاه الذى سينقذه من الغرق الفنى المؤكد، وكأنها كانت الشرارة التى انتظرها الفنان ليتلألأ صوته ويزيد تألقه، وما هى إلا دقائق معدودة حتى كان الحاضرون جميعا يرقصون ويتمايلون ويشاركون المطرب كلمة بكلمة ولحنا بلحن، وصارت الألحان والنغمات المتلألئة تقتحم العيون والآذان، وتتلاعب بالقلوب والمشاعر، وعاد المشهد بكل ضجيجه وتفاصيله الصغيرة إلى ما هو معتاد عليه، .. لقد انتصر المطرب أخيرا على المؤامرة التى لا يعرف من دبرها، ولكنه يدرك تماما أنه قد هزم صاحبها بالضربة القاضية الفنية.
.. كان المطرب فى قمة سعادته فقد انقلب السحر على الساحر، ومضى الوقت متسارعا وهو يقدم أفضل حفلاته، وكان تألقه واضحا كما لم يفعل من قبل، وسط تفاعل غير مسبوق من الحضور، وعندما همّ بالانصراف بعد أن انتهى من وصلته الغنائية التى تجاوزت وقتها المخصص بكثير استجابة لإلحاح الجمهور المستمتع كان الزحام والتدافع على أشده، والجمهور الذى خذله عند دخوله يلتف بكثافة من حوله محاولا اقتناص صور السيلفى التاريخية معه، وكلما حاول البودى جاردات منعهم من الاقتراب منه كان المطرب يشير لرجاله بالابتعاد، فلعلها المرة الأولى التي يريد فيها أن يلتحم بجمهوره أكثر، وأن يقبّل رأس كل واحد منهم بعد أن أنقذوه من هذا الفخ، وساعدوه فى إجهاض تلك المؤامرة الدنيئة.
.. عند المدخل كان صاحب الحفل فى انتظار خروجه ليدفع إليه بباقى أتعاب (المقاولة)، وبعد فاصل من العناق والقبلات مد الرجل يده للمطرب بمظروف يحتوى على المبلغ المتفق عليه وهو يشد على يديه قائلا؛ أبدعت يا مولانا .. أحسن الله عزاءكم، .. كانت الكلمات صادمة ومفاجئة جعلت المطرب يتفحص وجه الرجل باندهاش، وكانت المفاجأة الأكبر أن يلمح خلفه مباشرة لوحة كبيرة وواضحة كُتب عليها؛ عزاء المغفور له فلان الفلاني.
.. غادر المطرب سريعا تودعه الأنظار والأذرع المرفوعة بينما كان يبتلع ابتسامته المتعجبة وهو يدس النقود فى جيبه راضيا مقتنعا، وقبل أن يستقل سيارته مغادرا التفت ليلقى نظرة وداع على تفاصيل هذا اليوم المجنون فإذا به يلمح أضواء قريبة وسرادقا آخر ليس ببعيد، ويسمع صوتا رخيما يختم قراءته؛ صدق الله العظيم.
استقل المطرب سيارته منطلقا بمزيد من الابتسام والرضا بعد أن أدرك الخطأ الذى وقع فيه، ومضى مسرعا تتراقص أمام عينيه صورة فضيلة المقرئ وهو يلتقط الآن سيلفى مع العريس والعروسة قبل أن يمد يده هو الآخر ليتناول باقى أتعاب المقاولة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *