المأذون.. محمد مصطفى الصعيدي

أدباتية – أحمد زكي شحاتة: في عام ألف وتسعمائة وأربعة وأربعين، ولد صبي سكنت البلاغة لسانه قبل أن يعرف الخطو، في قرية تحمل اسم الفيلسوف اليوناني الشهير أفلاطون، التابعة لمركز قلين بمحافظة كفر الشيخ، ولد محمد مصطفى الصعيدي.
 ألحقه أبواه بالأزهر الشريف، فظهر نبوغه مبكرا حين اعتلى المنبر خطيبا في الناس، وما لبث أن عُيِّنَ مأذونا شرعيا، وراح إلى جانب عمله في الجمع بين القلوب، يزاوج الحرف والنغم، لتذوب بين يديه كل الحدود بين مهابة الفتوى ورقة القوافي فيشدو قائلا:
«الشوق كواني..
وكي الشوق مالوهش علاج
يعمل إيه الطب
وانا للطب مش محتاج؟
 شيل يا طبيب الحقن..
عملت معاي خراج
داوَى جروحي بروحي..
صاحب المعراج،
محمد المصطفى..
نور الصفا الوهاج..
أنا حبي ليك يا نبي..
زايد وبحره هاج..
نفسي أطير في الفضا
وأسابق الأمواج
واسافر إليك يا نبي
 وأطوف مع الحجاج».
وفي قصائد مترعة بالصوفية يكتب بلسان الروح الذي تعرفه القلوب قبل الآذان، فتنساب قوافيه قطرات من النور على صفحات ديوانه الأول «أنا إنسان»، وتجلت في ديوانه الثاني «قطرات من نهر الحب»، لتستقر في حضن الأرض بديوانه الثالث «عزبة أفلاطون»، قبل أن تثمر ديوانه الرابع «من بستان الوفاء» لينشد في وجد:
«مدد مدد.. مدد مدد
 مدد يا أهل الله مدد..
ساحة رضا واتزوقت..
والليلة والله اتروقت..
واهل البلد وجيران جيران أهل البلد
الكل في الساحة اتوجد..
من اللى شايل ميت سنة
حتى اللي من شهر اتولد..».
ولم تكن خشبة المسرح لديه سوى منبر آخر لنسج الجمال، فكتب الأشعار لعدد من المسرحيات منها «حكاية من الصعيد»، و«التركة»، والمسرحية الشعرية «نفحات وآيات»، وحصد المركز الأول على مستوى الجمهورية عام ألف وتسعمائة واثنين وتسعين عن أشعار مسرحية «مولد يا بلد»، واستحق عضوية اتحاد كتاب مصر بكل اقتدار.
 وقد تناول النقاد قصائده بالتحليل، ومنهم الراحل الكبير الدكتور يسري العزب الذي كتب عنه في مجلة الإذاعة والتلفزيون مؤكدا: أن قصائده بلغت غاية النضج التشكيلي، ووقف في اللحظة الحضارية التي اجتازها الوطن، واستطاع تصوير كل ذلك في لغة مصورة، لا صراخ فيها ولا زعيق.
وكما احتفت به المنتديات والجماعات الأدبية بكفر الشيخ والإسكندرية، وصفه جبرتي المبدعين الشاعر الكبير إسماعيل بريك بأنه »شاعر يجري ولا يجرى معه«.
 ومن خلف شاشات العصر الحديث، أطل الشيخ على العالم ليسجل أشعاره ومواقفه الحياتية عبر صفحته على موقع فيسبوك تحت عنوان «النافذة الأفلاطونية»، ليبقى صوته يتردد بين حقول قريته وساحات الذكر:
«ضاقت الساحة بخلايق
وف دقايق
تلقى ألف وألف لون
اللي لابس جلابية
واللي لابس بنطلون..
فلاحين عُمّال أساطة..
كله يا عم ببساطة..
جمّعه الحب الكبير
للولي اللي عاش فقير..
بس رب الكون غَناه»..
وهكذا يبقى الشيخ محمد مصطفى الصعيدي، خطيبا يخاطب القلوب، ومأذونا يوثق المودة، وشاعرا يسبح بالكلمات في ملكوت الوفاء والصفاء.

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *