المختلف.. أحمد راضي اللاوندي

المختلف.. أحمد راضي اللاوندي

أدباتية – أحمد زكي شحاتة: مع انتصاف شهر يوليو من عام ألف وتسعمئة وسبعة وخمسين، كانت شوارع دمياط تتزين.. حركة غير عادية في شوارع المدينة اعتقد البعض أنها تأتي ضمن تجهيزات الاحتفال بالذكرى الخامسة للثورة التي تحل بعد عدة أيام، لكن شيئا ما كان مختلفا هذه المرة.

جلبة وضجيج يغلفان المنطقة الواقعة بين شارع صلاح وشارع ترعة الشعراء، جرافات تعمل وحوائط تقام وماكينات غريبة لم يعهدها البلد المعروف بصناعة الأثاث، وعندما حلت ذكرى الثورة في يوم الثلاثاء الموافق للثالث والعشرين من يوليو، كانت المدينة على موعد مع افتتاح قلعة صناعية كبرى، «دمياتكس» للغزل والنسيج على أنقاض المصنع المهجور لشركة «حرير مصر»، فنزح المواطنون من كل ربوع دمياط لمشاهدة الحدث الأهم، حتى خلت البيوت من ساكنيها، لتجلجل النساء بالزغاريد ابتهاجا بالمصنع الجديد، الذي تم طرحه فيما بعد للاكتتاب الشعبي، وليصبح الدمايطة لاحقا ملاكا بنظام الأسهم في تلك القلعة العملاقة.

وعلى بعد كيلومترات قليلة، كانت الزغاريد تشق صمت الشوارع الخالية في مدينة عزبة البرج، فرحا بقدوم مولود جديد في بيت الحاج راضي اللاوندي، اختار له أبواه اسم أحمد.

في شوارع عزبة البرج، تجول أحمد راضي محمود اللاوندي، طفلا، يرافق أترابه في قضاء ساعات الظهيرة في ممارسة اللهو البرئ، وكلما تقدمت به السن عاما، اخترق حواري جديدة وتعرف إلى رفاق جدد، يعاين معهم تضاريس القرية القابعة في هدوء بين البحر والنهر.

وعندما عرف الطريق إلى شاطئ النهر، انبهر بالبناء التاريخي لطابية عرابي، القائم هناك إلى جوار نقطة الشرطة، حيث يتخذ الصبية المنطقة مسرحا للهوهم وممارسة هواياتهم في لعب الكرة.

لفت نظره البناء العتيق لطابية أحمد عرابي، الذي لطالما استمع إلى حكايته، فكان يحاول التسلل إلى أقصى حد ممكن من هذا بقايا هذا السور الحجري محاولا استكناه ما تخفيه القوالب العتيقة المرصوصة بعناية فائقة في نظم معماري فريد، رغم عوامل التعرية.

يخرج كل يوم مع أقرانه، لا ليشاركهم اللعب بل ليحاول اكتشاف جديد في هذا البناء البديع.

وذات يوم وجد نفسه يتمتم بكلمات أغنية أم كلثوم الجديدة، «وعز عليك تسيب العند وتسامح.. وعز علي أكون البادي وأتصالح..»، ويوما بعد يوم وجد نفسه يردد ما يعلق بذاكرته من أغان تصل إليه عبر المذياع، ثم اكتشف في نفسه القدرة على تبديل بعض الكلمات بأخرى، في روتين يومي لا ينقطع، وذات مرة ضبط نفسه يردد:

«ومين ينكر جمال بلدي

وهيا بين شطوط نيلها

ومين جانا وشرب منه

لا بد يعود يغنيلها».

ولما بلغ سن الشباب، لبى نداء الوطن مجندا في القوات المسلحة،

وبعد عدة أشهر وقعت أحداث الأمن المركزي، فتوقفت الإجازات في مختلف الأفرع والوحدات العسكرية، وهناك داخل قشلاق الجنود اختار أحمد راضي اللاوندي زميلا له حسن الخط ليملي عليه رسالة إلى والدته، يطمئنها على أحواله، ويؤكد أنه يذود عن حمى الوطن ويحرس جبهته الداخلية:

« كلنا جسورك لبكره

خطي بسم الله وعدي

كل خطوة لفجر طالع

مين في عزالشده فاتك

ولأ ميل أو حسبها

فكريني بخطوة تاهت

من خطاويكي وحا سبها

احنا شمس ونيل وضلة

احنا نبت سعيد بطينك

نبت بيفرع ويطرح

نبت من زرعة في طينك

احنا عيسى وجورج واحمد

احنا طه وعم مينا

وانتي جوه قلوبنا ساكنة

زى مرسى لكل مينا».

وفي الصباح، وضع الرسالة داخل مظروف حرص على إبقائه مفتوحا، كتقليد عسكري معروف فلا يتم إغلاق المظروف إلا بعد اطلاع أمن الوحدة عليه، ثم يتم تسليمه لمندوب البريد الحربي، الذي يتولى بدوره توزيع الرسائل عبر قنواتها الرسمية.

داخل منزل الأسرة، جلس الأخ الأكبر ليقرأ رسالة اللاوندي على أمه، وكلما قرأ فقرة أعادها، تستوقفه بعض العبارات وتدهشه كلمات بعينها.

وفي أول إجازة ميدانية، انفرد به أخاه الذي كان ينظم الشعر الفصيح ويعمل خطاطا، يسأله عمن كتب له الرسالة، فأكد له أنه صاحب التعبيرات البلاغية التي وردت بها، لكن الخط ليس له، فأدرك بخبرته أن هذا الجندي الصغير لديه الموهبة التي لو صادفت من يرعاها ستصبح ذات شأن كبير.

وعندما أنهى فترة التجنيد الإلزامي، أصر شقيقه على تلقينه علم العروض وأساليب صياغة الشعر.

مضى حولان كاملان، قضاهما اللاوندي ملتزما السبورة يتلقى علم العروض وأصول الكتابة على يد شقيقه الأكبر، يردد بفخر وإباء:

« وجينا نمد خطاوينا

ف طريق

من يومها حتى الغد

نكمل سكة أجددانا

بعزم وقوة مالهاش حد».

حتى إذا ما استوت النبتة وأثمرت وحان وقت قطافها، اصطحبه شقيقه محمود إلى قصر ثقافة دمياط.

في ردهات القصر، الذي يزوره للمرة الأولى، استوقفته صور أعلام دمياط ونوابغها في مختلف المجالات، رفعت الجمال، علي مصطفى مشرفة، زكى نجيب محمود، طاهر أبو فاشا، فاروق شوشة، سعيد الماحي، مدكور أبوالعز، يتوقف أمام كل صورة يتأمل ملامحها، بينما يجذبه شقيقه من يده ليتبعه إلى قاعة نادي الأدب، ليفاجأ بأنه يقف في مواجهة النبوي سلامة.

هو يعرفه باسم عم محمد النبوي حلاق دمياط الشهير، لكنه لم يكن يدرك سوى اليوم فقط أنه كتب أروع الأغاني للثلاثي المرح وليلى نظمي وعبد اللطيف التلباني.

وقرأ شعره لأول مرة أمام عدد من المبدعين، فأثنوا عليه وشدوا على يديه، وطلب منه النبوي سلامة عددا من القصائد المكتوبة ليساعده في نشرها بالصحف والمجلات حتى يتسنى له الحصول على عضوية عاملة بنادي الأدب، لكن اللاوندي فاجأه بأن لديه ديوانا كاملا طبعه على نفقته الخاصة، ليحصل على العضوية العاملة في أولى زياراته لنادي الأدب.

ومضى اللاوندي يزداد إعجابا بعم محمد النبوي الذي يجتمع في صالونه محمد الفيتوري وفتحي سعيد، وأحمد عبد المعطي حجازي، وأحمد سويلم، وأحمد فضل شبلول، وعبد الرحمن الأبنودي، ومحمد مكيوي وعبدالله أحمد عبدالله، وعشرات غيرهم.

سنوات طويلة قضاها اللاوندي مخلصا للقصيدة، لتأتيه القوافي طيعة، وليحقق في كل يوم نجاحا جديدا في مضمار الأدب، فبعد حصوله على عضوية اتحاد الكتاب، ترأس رابطة الزجالين وكتاب الٱغانى فرع دمياط، وترأس كذلك الصالون الٱدبى بنادى رأس البر الرياضي، وأسس ناديا للأدب بمركز شباب عزبة البرج.

وأصدر عدة دواوين منها:

«عناقيد ، النكلة والطربوش ، من غير سلام ، (حواديت الللاوندي)، (كيد النسا)، (حكاية ورا كل باب) ، وديوان “شروق” وديوان :خريف وربيع”، وديوان فجر جديد، ورباعيات اللاوندي ، ومربعات فن الواو، وإوعى تنسى»

شارك ويشارك فى العديد من المؤتمرات والندوات الأدبية على مستوى الجمهورية وتم تكريمه في مؤتمر الإقليم في محافظة كفر الشيخ، ومهرجان الزجل الثاني في مدينة نصر،

وكرم فى مهرجان التراث الشعبي عن محافظة دمياط بالهيئة العامة لقصور الثقافة، والصالون الثقافي على مسرح قصر ثقافة دمياط، وفي كلية الهندسة بجامعة بورسعيد، كما كرمه أدباء دمياط فى مسقط رأسه بمدينة عزبة البرج.
وأسلم روحه إلى بارئها في مساء الجمعة الثالث من يوليو هام 2026، بعد حياة حافلة بالعطاء.

About The Author

odbatya

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *