10 سبتمبر، 2026

«صور مشوشة».. محمد كامل

0
صور مشوشة.. محمد كامل - أدباتية

لا تكاد ساعات الليل الطويل تنقضي، تحمل بين طياتها أسرار جمة، خضنا معا معارك الحياة وتشابكت دروبنا، لم تفرقنا المسافات، كان ملجئي وملاذي عند الشدة وكنت كاتم أسراره، حلقت أحلامنا فوق حدائق غناء ننهل من أنهارها العذبة، أنصت إلى حديثه المستمر عنها، أحبها بجنون؛ فتربعت على عرش قلبه، ترسم طريقه للمستقبل والأيام القادمة.

صرت تائها لا أعي كيف أتصرف، أحاول أن أجمع بين يدي حبات عقده المنفرط، شاءت الأقدار أن نلتقي على غير موعد، جمعتنا مقاعد الدراسة كزميلين، لفت اجتهادي الأنظار، جلست متوجا على القمة، ولكنه دنا مني بنبوغه ورزانته، توطدت العلاقة بيننا، افسحت لنا مدرجات الجامعة وطرقاتها ومعاملها، طرقنا الحياة الجديدة بدروبها المتشعبة، أكمل كلانا الآخر.

لمحها يوما تمر أمامه بعد أن تم نقلها إلينا، لمعت عيناه وكأنه عثر على ضالته المفقودة، ردد كلماتها وأطربت جلجلة ضحكاتها آذانه، اندفع في سماءها محلقا، أضاءت دروبه المظلمة، سار في هواها بغير هدى، انحدرت به كثيرا إلى القاع، تراجع تقدمه وتفوقه، لفت انتباهه لفروق شاسعة تعوق ارتباطهم، فلم ألحظ يوما أنها تبادله مشاعره ذاتها، كم كانت ساكنة كبحر ضحل جفت ماؤه وسكنت به بقايا حياة فانية.

مرت السنوات وهو يلهث خلفها، يتبعها أينما حلت أو رحلت، مارست عليه جميع صنوف السيطرة، تنحى عن طريقه الزملاء واحدا تلو الآخر، ولكنني تشبثت به محاولا انقاذه من غرق محقق، تلاشت قدراته بين أغوار حياتها الغامضة.

طرقت كل سبيل إلى الشهرة والمال، ازدادت نيرانها اشتعالا وأيامها نهما، زجت بنفسها فريسة مستساغة لمخرجي الدعاية ومنتجي الإعلانات، انزلقت أقدامها في براثن عالم  موحش وفضاء منفتح، تشتت بداخله الأفكار وفقد صوابه،  ولكنه لم يقوى على تركها، قدم لها التنازلات والتضحيات، ورجاؤه الوحيد أن يدوم ما بينهما من ود، عاهدته أن ترتبط به في نهاية المطاف.

أصبح مثارا لسخرية الجميع، أتهموه بأبشع الألفاظ، حاول أن يداري آهاته الملتهبة وثورته المتأججة، باتت صورها في ذهنه مشوشة،  لم تعد في عينيه تلك الرقيقة الحالمة، اضطرب عقله وتكدست ذكريات حياته، ولكنه صار بلا أمل في المستقبل، بحث عنها وأمام بوابة الجامعة احتضنها بين ذراعيه، ضمها بأشواقه وطعنها بخنجره، سالت دمائها على الأرض التي شهدت اللقاء الأول.

وقفت في قاعة المحكمة مدافعا عنه، عرضت شهادتي صورا حية لشاب طموح في مقتبل العمر، سبقتني كلمات الرثاء على صديقي الأثير ورفيق دربي، اصطدمت كلماتي عنه بصراخ ونحيب حاد من جانب، وتعالت الأدعية من جانب أخر؛ ماجت القاعة بالأصوات والأمنيات اللاهثة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *