2026-06-21

«من حكايات البحيرة».. فطرية التجربة وتحديات الصنعة

في أعماق الريف، حيث تتكئ البحيرة على كتف البحر، ويمتزج العرق بالغناء الشعبي، ولد عبد الحميد أحمد السيد، الشهير باسم عبد الحميد عويس في قرية دمرو الحدادي، التابعة لمركز سيدي سالم بمحافظة كفر الشيخ. هنا، بين خضرة الحقول وهدير السواقي تشكل وجدانه الأول، وتفتحت في روحه براعم الحرف قبل أن يعرف أبجدياته تماما. حين وصل إلى المرحلة الإعدادية، دأب الجيران والأصدقاء على استدعائه لكتابة الخطابات التي يرسلونها إلى ذويهم في الخارج، ولا سيما في دولة العراق، فكان يتفنن في خط عبارات تعبر عن اشتياق الأمهات لأبنائهن، أو لهفة الأطفال لمعرفة أخبار آبائهم، ولا ينسى أن يلغم الخطابات بكلمات حب لا تحكيها الزوجات بشكل صريح بل يشعر بها من خلال ما تمليه عليه لإرساله إلى زوجها.

أدباتية- أحمد زكي شحاتة: إن ديوان «من حكايات البحيرة» للشاعر عبد الحميد عويس هو صرخة فطرية قادمة من قلب الريف المصري، تكمن قيمتها الأساسية في قدرتها على نقل نبض البسطاء ومخاوفهم وأحلامهم بلغتهم اليومية الحية.

على الرغم من العيوب الفنية والتحريرية التي واكبت هذه الخطوة الأولى، إلا أنها تظل تجربة جديرة بالاحترام والقراءة لأنها تعيد للشعر وظيفته البدائية الأولى: أن يكون لسان حال الجماعة وصوت من لا صوت لهم… ولنتفق منذ البداية، وبكل تجرد، أننا لسنا أمام عمل مكتمل الأركان، بل مواجهة أولى مع ناص يعاني بوضوح من ضعف في أدواته الفنية، واهتزاز في صياغته التشكيلية واللغوية، ما يجعل تجربته غضة لم تنضج بعد على نار الإبداع الهادئة.

ولكن، ورغم هذا القصور البنيوي إلا أنني لا أملك إلا أن أتوجه بكلمة شكر وتقدير مخلصة لصاحب هذا العمل «من حكايات البحيرة»، فشجاعته في اقتحام عالم النشر وإصراره على اختراق جدار الكتابة الصلب، هما الخطوة الأهم في مسيرة أي مبدع. لقد ملك «الشاعر الشعبي عبد الحميد عويس» –كما يطلق عليه أستاذنا الشاعر الكبير السعيد قنديل – الجرأة لكي يبدأ، وبدأ بالفعل في حفر مساره الخاص وسط أشواك الكلمة.. هذه التجربة، رغم تعثرها الحالي، هي حجر الأساس الذي لا غنى عنه، وبداية الطريق نحو صقل الموهبة وتطوير الأدوات في القادم من الأيام.

في فضاء الشعر العامي المصري، يظل للريف صوته الهادر الذي يحمل معه رائحة الأرض وطمي النيل. ويأتي ديوان «من حكايات البحيرة»  للشاعر عبد الحميد عويس ليقدم تجربة شعرية فطرية تنبض بالواقع، محاوِلةً بناء جسر مباشر بين قلب الشاعر ومتلقيه عبر لغة الحوار اليومي البسيطة.

أقول، عندما دفع إليّ الصديق الشاعر والفنان محمد ناجي الإبطاوي بمخطوطة ديوان عبد الحميد عويس، أرسل معها لوحة تشكيلية بريشته وتوصية بأن أتولى أنا تصميم الغلاف تحت عنوان «حديث البحر»..
قرأت النصوص كاملة، فوجدتها تتمحور حول البحيرة وليس البحر، فاخترت «من أحاديث البحيرة» عنوانًا للديوان، ودبّ الخلاف بيني وبين الإبطاوي، هو يتمسك بأحاديث البحر وأنا أصرّ على أنها من حكايات البحيرة، فكان الفصل بيننا رأي شاعرنا الكبير السعيد قنديل الذي لم يؤيد مقترحي فحسب بل إنه شدّد  عليه.
حتى لوحة الغلاف التي قضى الإبطاوي وقتًا طويلًا في إنجازها، استبدلتها بصورة طبيعية لجزيرة الشخلوبة التي تمثل «عين أعيان جغرافيا بحيرة البرلس»، وتولّى الفنان والشاعر محمد ناجي الإبطاوي طباعة الديوان ليخرج إلى النور، واحتفلنا بصدوره.  

يتوزع ديوان «من حكايات البحيرة» على عدة محاور موضوعية تتراوح بين الذاتي والشخصي، وبين القومي والسياسي، مرورًا بالاجتماعي التوعوي، تتشعب من ثلاثة روافد أساسية:

أولها: الوعي بالذات والهوية الريفية

يبدأ الشاعر ديوانه بنوع من الـ«مانيفستو الشخصي» في قصيدة «أنا عبد الحميد عويس»، هنا لا يعرّف نفسه بلقب أدبي، بل بهويته الإنسانية والمهنية: فيقول:
«فلاح وزارع أرضي…» متغنيًا بقيم الشهامة والرجولة الريفية، كإكرام الضيف ومساندة الصاحب ولو على الأشواك. تبرز هنا مفردات البيئة المحلية بشكل مكثف «سمك بلطي، بوري، طوبار، حنشان، الهيش… »، ليؤكد على تجذره في بيئة البحيرة وصيدها وزراعتها، فهناك
حيث تتكئ البحيرة على كتف البحر ويمتزج العرق بالغناء الشعبي، ولد عبد الحميد أحمد السيد، الشهير باسم عبد الحميد عويس في قرية دمرو الحدادي، التابعة لمركز سيدي سالم بمحافظة كفر الشيخ، ليتشكل وجدانه الأول وتتفتح في روحه براعم الحرف قبل أن يعرف أبجدياته تماما ين خضرة الحقول وهدير السواقي.

حين وصل إلى المرحلة الإعدادية، دأب الجيران والأصدقاء على استدعائه لكتابة الخطابات التي يرسلونها إلى ذويهم في الخارج، ولا سيما في دولة العراق، فكان يتفنن في خط عبارات تعبر عن اشتياق الأمهات لأبنائهن، أو لهفة الأطفال لمعرفة أخبار آبائهم، ولا ينسى أن يلغم الخطابات بكلمات حب لا تحكيها الزوجات بشكل صريح بل يشعر بها من خلال ما تمليه عليه لإرساله إلى زوجها.

وفي صيف العام ألف وتسعمئة وتسعين، يتوافد العاملون في العراق زرافات ووحدانا عقب غزو الكويت الذي تبعه اضطرابات سياسية واجتماعية واقتصادية، فلم تعد العراق ملاذا آمنا للراغبين في العمل بالخارج، ولم يعد يستدعيه أحد لكتابة مراسلات.

فأمسك بقلمه وكراسته وراح يخط ما يعن له، فيأتي مسجوعا أحيانا ومنثورا في أحايين أخرى، فأخبره زملاؤه في المدرسة أن ما يكتبه هو الشعر، فراح يغازل القصيدة، فتتماهى معه مرة وتستعصي مرات.

وحين داهمته قسوة الواقع، ترك الدراسة الثانوية طوعا، وخرج إلى الأرض ليعين والده في الأعمال الحقلية، حاملا المعول في يد وحلم القصيدة في اليد الأخرى، وكأنما يحرث الحياة ليزرع فيها المعنى.. فانطلق يقول:

أنا صياد 

باجيب البط متكتف

واصيد الديب ف قلب الهيش

وعمرى ما اخاف

وليا ف المحيط علامات

مراكبي وليا ألف شراع

أنا شاري ومش بياع

صاحب صاحبي وعمري ما اخون

يكتب نصوصا بالعامية الشعبية في قالب تلقائي كأنه يكتب بلغة الماء والطين، بلغة الناس الذين لا يملكون إلا الصدق، نصوصه أشبه بحكايات تروى على عتبات البيوت في المساء، تمزج الشجن بالسخرية، والوجع بالأمل، والواقع بالأسطورة.

تجربة عبد الحميد عويس التي تعجل بإصدارها في كتاب «من حكايات البحيرة»، متواضعة في بنائها لكنها تحمل روحا غير عادية فتمضي بخطى وإن كانت بطيئة إلا أنها تقطع في كل يوم شوطا جديدا على طريق الاكتمال، كزرع ينمو على مهل، يتغذى من صبر الأرض وإصرار صاحبها، مرددا:

محتاج صوباع طباشير وسبورة

وتخته حتى مكسورة

وقعدة هنية ع الترعة

أفك الخط وأكتب لك

ديوان مطبوع بأشواقي

وفي موازاة رحلته الإبداعية، أسس مشروعه الخاص في تصنيع وتجارة الأعلاف والمزارع السمكية، وكأنه يواصل حواره مع الأرض والماء على نحو آخر، يجمع بين الفعل والإبداع، بين القوت والمعنى، فهو ابن بيئته بحق يزرع ليأكل، ويكتب ليحيا.

كتابه الأول «من حكايات البحيرة»، كتب نصوصه كما يعيش، وتعاطى مع حكاياتها كما يكتب ببساطة مدهشة، وتلقائية لا تضاهى.

عبد الحميد عويس.. صوت خرج من طين الأرض ليقول إن الإبداع ما زال قادرا على التنفس بين أيدي البسطاء، وإن الحكايات لا تموت ما دام هناك من يرويها بقلب صادق وعزيمة لا تفتر أبدا.

وثانيها: الهم القومي والقضية الفلسطينية

حيث يحتل الجرح الفلسطيني مساحة واسعة من وجدان الشاعر، فتكررت التيمات الداعمة لغزة والأقصى في أكثر من قصيدة مثل «فلسطين»، «تحيا فلسطين»، و«احكم يا قاضي»، فيتحول الشاعر من صوت الفلاح المحلّي إلى صوت العربي الغاضب، موجهًا نقدًا لاذعًا للصمت الدولي والعربي، ومستعرضًا التناقض بين المعاناة الإنسانية في غزة ومظاهر الترف في عواصم أخرى.

وثالث هذه الروافد: النقد الاجتماعي ومحاربة الزيف

في قصائد مثل «عليه العوض» و«تكوين»، يتصدى الشاعر الشعبي عبد الحميد عويس للظواهر الاجتماعية المستحدثة التي يراها مهددة للقيم الأخلاقية والدينية، فينتقد غياب دور الأب، والانسياق وراء الكسب السريع غير المشروع كالتجارة في الآثار والمخدرات، كما يهاجم الكيانات الفكرية الحديثة باعتبارها محاولات للطعن في ثوابت الدين.

أوجه القوة في ديوان «من حكايات البحيرة»

تتمثّل القيمة الفنية والجمالية للديوان في عدة نقاط منحت النص خصوصيته الفطرية:

الأصالة والصدق الشعوري: يمتاز النص بـ «الشعر الفطري» النابع من تجربة حقيقية، فالشاعر لا يتصنع النخبوية بل يتحدث بلسان رجل الشارع والفلاح، ما يمنح الكلمات طاقة شعورية تصل إلى القلوب مباشرة دون حواجز تعبيرية.

غنى القاموس البيئي المحلي: نجح عبد الحميد عويس في توظيف مفردات بيئته الخاصة بالبحيرة بشكل بارع، حيث استخدام مسميات أنواع الأسماك وتفاصيل الزراعة وأدوات الحصاد والمكاييل المصرية «الإردب، الكيلة، ..»  بشكل يعزز الهوية البصرية والمكانية للنصوص ويجعل منها وثيقة حية عن حياة الهامش المصري.

بساطة لغة التواصل وسلاستها: اختيار العامية لم يكن مجرد وسيط لغوي، بل كان «جسر تواصل»، تمتاز الجمل بقصرها وسلاستها الإيقاعية، ما يجعلها صالحة للإلقاء الشفهي ومقاومة للتعقيد اللفظي.

الالتزام بالقضايا الإنسانية والوطنية: يحسب للشاعر انحيازه التام للقضايا المصيرية كقضية القدس والدفاع عن الهوية الدينية والأخلاقية للمجتمع، مما يخرج الديوان من قوقعة الذاتية الضيقة إلى رحاب الوعي الجمعي.

وعلى الجانب الآخر، عانى الديوان من بعض الهنات الفنية والتحريرية التي حدّت من جودته الكلية:

الوقوع في المباشرة والخطابية: تميل بعض النصوص، خاصة السياسية والاجتماعية منها، إلى النبرة الخطابية المباشرة التي تخلو من المجاز والصورة الشعرية المبتكرة، على سبيل المثال، التحول إلى لغة شبيهة بالبيانات الصحفية عند الحديث عن محكمة العدل الدولية أو نتنياهو.

التكرار اللفظي والموضوعي: تكررت بعض التيمات والألفاظ بشكل ملحوظ دون إضافة دلالية جديدة، فكرة التباكي على حال الأمة وصمت الزعماء تكررت في قصائد «فلسطين» و«حديث مع البحر» و«ابن غزة» بالمعاني والتركيبات ذاتها تقريبًا.

اضطراب الإيقاع الموسيقي والتقفية: اعتمد الشاعر على نظام القافية الموحدة أو المتناوبة أحيانا، لكنها جاءت في مواضع كثيرة قسرية ومفتعلة من أجل ضبط الجرس الموسيقي فقط، ما أدى إلى حشو بعض الكلمات التي لم تضف للمعنى «مثل تكرار صيغ السجع في قصيدة تكوين: فازلين، محلاتين».

مميزات وعيوب التجربة الأولى للشاعر عبد الحميد عويس

يعكس ديوان «من حكايات البحيرة» طبيعة الاصطدام الأول للشاعر الفطري بسوق النشر، وتحمل هذه التجربة الأولى في طياتها سمات خاصة يمكن تصنيفها كالتالي:

مميزات التجربة الأولى:

العفوية والبراءة الفنية: يخلو الديوان من التصنع والأقنعة الأسلوبية التي يرتديها الشعراء المحترفون، هناك تدفق عاطفي بكر لم يتلوث بضرورات الصنعة الفنية المعقدة.

الشغف والاندفاع التعبيري: يتضح من النصوص أن الكاتب يكتب مدفوعًا برغبة عارمة في التعبير عن رأيه ومشاركة أحاسيسه وأفكاره مع الآخرين، وهو شغف يمنح القصائد حرارة وصدقاً يفتقدهما الكثير من الشعر المصنوع.

حاول الكاتب في خطوته الأولى اختبار قدرته على الكتابة في اتجاهات مختلفة: العاطفي «أكتب لكي»، السياسي «فلسطين»، والذاتي الساخر «صوباع طباشير)»، ما يتيح له معرفة المساحة الإبداعية الأنسب له مستقبلاً.

عيوب التجربة الأولى:

يفتقر الشاعر في تجربته الأولى إلى آلية الحذف والتشذيب، فالقصيدة تُنشر كما كُتبت فورًا دون إعادة تحرير أو تصفية للزوائد اللفظية والمباشرة التقريرية.

 الاعتماد شبه الكلي على السرد المباشر والحكاية البسيطة «مثل حكاية لقائه بسعدية على الترعة» على حساب الصورة الشعرية العميقة القائمة على التخييل والاستعارة المركبة.

تحول الشاعر في بعض الأحيان من مبدع يرصد الحالة الإنسانية إلى مصلح اجتماعي يلقي المواعظ والحكم المباشرة »كُلْ من عرق إيديك ومتكونش يوم شحات..»، وهو ما يقلل من شعرية النص ويقربه من النثر الإرشادي.

About The Author