د. طارق أبو حطب يكتب عن رواية الكلاف (6-6): السياق الفني والتاريخي
أدباتية: تكشف القراءة المتأنية أن أبا المجد البحيري لا ينحاز إلى طبقة اجتماعية بقدر ما ينحاز إلى قيمة إنسانية، فالرواية لا تدعو إلى استبدال سلطة بسلطة، وإنما إلى بناء مجتمع يقوم على الاعتراف بإنسانية الفرد، واحترام عمله، وإتاحة الفرصة له كي يصنع مستقبله بجهده
ومن هنا تتجاوز رواية «الكلّاف» حدود الرواية الريفية التقليدية، لتغدو رواية في التحرر الإنساني، تجعل من الكرامة محورًا لرؤيتها، ومن الوعي وسيلتها إلى التغيير، ومن التاريخ مختبرا لاختبار قدرة الإنسان على تجاوز ميراث القهر دون أن يفقد انتماءه إلى أرضه ومجتمعه.
ومن خلال ما سلف نرى أن جوهر الصراع في «الكلّاف» لا يكمن في الأرض ذاتها، وإنما في المعنى الذي تمنحه الأرض للإنسان. فالسلطة ليست مجرد نفوذ اجتماعي، بل نسق ثقافي يحاول أن يحتكر تعريف المكانة والهوية، في حين تمثل الكرامة القيمة التي تعيد بناء الإنسان على أساس الحرية والحق والعمل .
وقد نجح الروائي أبو المجد البحيري في تحويل تجربة ريفية خاصة إلى رؤية إنسانية عامة، تكشف أن كل تحول تاريخي يفقد معناه إذا لم يصاحبه تحول في الوعي، وأن العدالة لا تتحقق بمجرد تغيير القوانين، وإنما بإعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان وذاته، وبينه وبين المجتمع، على أساس من الاعتراف المتبادل والكرامة الإنسانية ومن هنا تستمد الرواية قيمتها الفكرية والجمالية، وتغدو شهادة أدبية على أن الإنسان هو الغاية الحقيقية لكل تغيير، وأن الكرامة تظل القيمة الأسمى التي تمنح التاريخ معناه، وتمنح الأدب خلوده، وتوهجه، وحيويته .
بقي لنا أن نضع الرواية في سياقها الفني والتاريخي، بيانا لإسهامها في مسار الرواية الريفية المصرية من خلال إبراز القيمة الفنية والفكرية لرواية «الكلّاف» وموقعها على خريطة الرواية الريفية المصرية فإذا كانت قراءة أي عمل روائي لا تكتمل دون الوقوف على موقعه في خريطة الإبداع الذي ينتمي إليه، إذ لا تُقاس قيمة الرواية بما ترويه من أحداث فحسب، وإنما بما تضيفه إلى الفن الروائي من رؤى جديدة، وبما تقدمه من معالجة مختلفة للقضايا التي تتناولها. ومن هذا المنطلق تكتسب رواية «الكلّاف» للأديب المصري أبي المجد البحيري أهميتها؛ لأنها لا تستعيد موضوع الريف المصري استعادة تقليدية، وإنما تعيد قراءته في ضوء تحولات الوعي الاجتماعي، فتنتقل من تسجيل الحدث إلى تأويله، ومن وصف الواقع إلى مساءلة البنية الثقافية التي أنتجته ولذلك فإن الرواية لا تنتمي إلى الأدب التسجيلي العابر الذي يكتفي بتوثيق مرحلة تاريخية، كما لا تنغلق داخل الواقعية التقليدية التي تجعل الحدث غاية في ذاته، وإنما تقدم رؤية فنية تجعل من التاريخ مادة لإنتاج أسئلة إنسانية تتجاوز حدود الزمان والمكان وهذا ما نبرزه فيما نذكره.
الرواية في سياق الرواية الريفية المصرية
لقد احتلت القرية المصرية مكانة بارزة في السرد العربي الحديث، فكانت فضاء لكشف التحولات الاجتماعية، وصراع القيم، والعلاقة بين الإنسان والأرض بي أن كثيرا من الروايات الريفية انشغلت بوصف البيئة وعاداتها، أو بتسجيل الصراع الاقتصادي بين الفلاح والإقطاعي أما رواية «الكلّاف» فإنها تنطلق بادئة من هذا الإرث، لكنها تتجاوزه؛ إذ تجعل الريف فضاء فلسفلسفيا تتجسد فيه أسئلة السلطة والكرامة والهوية فالقرية ليست مجرد مكان، بل بنية اجتماعية وثقافية تتحرك داخلها الشخصيات وهي تعيد اكتشاف ذواتها في ظل التحولات التاريخية وبهذا المعنى، تنتمي الرواية إلى تيار الواقعية النقدية التي تتخذ من الواقع نقطة انطلاق، لا نقطة نهاية، فتسعى إلى الكشف عن القوانين العميقة التي تحكم العلاقات الإنسانية
خصوصية التجربة الروائية عند أبي المجد البحيري
لا ريب أن خصوصية أبي المجد البحيري الروائية تكمن في أنه لا يفتعل الصراع، ولا يركن إلى المبالغة الدرامية، بل يستخرج التوتر،والصراع من داخل الحياة اليومية، ويجعل التفاصيل البسيطة قادرة على التعبير عن قضايا كبرى كما أنه يمتلك قدرة واضحة على رسم الشخصيات من الداخل، بحيث تبدو مواقفها نابعة من تكوينها النفسي والاجتماعي، لا مفروضة عليها من الخارج ولذلك جاءت الشخصيات بعيدة عن النمطية، محتفظة بقدر من التعقيد الإنساني الذي يجعلها أكثر إقناعا وصدقا.
ويُحسب للكاتب أيضا نجاحه في توظيف البيئة الريفية دون الوقوع في أسر الفولكلور أو التجميل الرومانسي، فجاء الريف في روايته فضاء حيا، بكل ما يحمله من قيم التضامن، وبما يشهده من صور التفاوت والصراع .
الرواية بين الواقعية والتأويل
تستند «الكلّاف» إلى أحداث واقعية ذات مرجعية تاريخية، لكنها لا تتوقف عند حدود التوثيق، وإنما تمنح هذه الأحداث أبعادا رمزية وفكرية.
فالزناتي لا يمثل فردا بعينه، بل يبدو رمزا لإنسان يسعى إلى انتزاع الاعتراف بكرامته، والعمدة لا يمثل شخصا فقط، بل يجسد سلطة ثقافية فقدت قدرتها على الاستمرار .
ومن هنا تتجاوز الرواية الواقعية المباشرة، لتقترب من الواقعية الرمزية التأويلية ذات الدلالة التي تجعل كل عنصر في النص قابلا لقراءات متعددة، دون أن يفقد صلته بالواقع المعاش .
القيمة الفكرية لرواية «الكلاف»
تكشف الرواية عن رؤية فكرية متماسكة، تجعل من الإنسان محورا لكل تحول اجتماعي. فهي لا تنحاز إلى الصراع الطبقي بوصفه غاية، ولا تحتفي بالتغيير الشكلي، وإنما تؤكد أن العدالة الحقيقية تبدأ من الاعتراف بقيمة الإنسان كما تطرح الرواية أسئلة لا تزال حاضرة في الواقع المعاصر: ما حدود السلطة؟ وما مصدر مشروعيتها؟ وهل يكفي تغير القوانين لتغيير المجتمع؟ وكيف يستطيع الإنسان أن يتحرر من الصور التي فرضها عليه التاريخ؟ وهذه الأسئلة هي التي تمنح العمل امتداده الإنساني، وتجعله أكثر قدرة على مخاطبة أجيال مختلفة، رغم ارتباطه بمرحلة تاريخية محددة
القيمة الفنية للرواية
تتجلى القيمة الفنية لرواية لـ«الكلّاف» في تماسك بنائها السردي، وحسن إدارة الإيقاع، ونجاح الكاتب في تحقيق التوازن بين السرد والحوار، وبين الوصف والحركة، وبين الواقعية والبعد الرمزي كما أسهمت اللغة في ترسيخ هذا التميز؛ إذ جاءت ملائمة لطبيعة الشخصيات والبيئة، محافظة على فصاحتها، مع الإفادة من الخصوصية التعبيرية للخطاب الشعبي.
ويضاف إلى ذلك أيضا نجاح الكاتب في بناء عنوان يحمل كثافة دلالية، وفي رسم شخصيات تتجاوز حدود الفرد لتصبح رموزًا لتحولات المجتمع، وهو ما منح الرواية بعدا فنيا يتجاوز الحكاية المباشرة وننتهي إلى أن رواية «الكلّاف» تؤكد أن الرواية الريفية لا تزال قادرة على تجديد أدواتها ورؤيتها متى تجاوزت حدود التسجيل والوصف، واتجهت إلى مساءلة الإنسان في علاقته بالتاريخ والمجتمع والسلطة وقد نجح أبو المجد البحيري في تقديم نص يجمع بين صدق التجربة، وإحكام البناء، وعمق الرؤية، فجاءت روايته إضافة جديرة بالاهتمام إلى مسار الرواية الريفية المصرية ولا تكمن قيمة هذا العمل الروائي الضخم في استلهامه مرحلة مهمة من مراحل تاريخ الريف المصري فحسب، بل في قدرته على تحويل تلك المرحلة إلى تجربة إنسانية مفتوحة، تجعل من الكرامة محورًا للسرد، ومن الوعي غاية للتحول، ومن الأدب وسيلة لإعادة التفكير في الإنسان وموقعه داخل المجتمع
وختاما نقرر أننا قد فزنا بعمل روائي متكامل يؤكد- بما لا يدع مجالا لريبة- أن أبا المجد البحيري استطاع أن يثبت أن المبدع الروائي المصري لديه من الإمكانات، والأدوات، والقظرة على إنجاز منجزات أدبية ذات حيثية يمكنها بما تحويه من تقنيات إبداعية أن تحجز لنفسها مواقع الصدارة في مكتبة الروايات العالمية، وأن روائيا قديرا في قيمة وإبداع أبي المجد البحيري قد آن له أن ينال ما يستحق من التكريم والقراءة لإنتاجه الأدبي الغزير، ولعلها لحظة نأمل تحققها قريبا.
