30 أغسطس، 2026

«كلبة وكلبة».. قصة قصيرة بقلم محمود أحمد علي

0
محمود أحمد علي - كلبة وكلبة - أدباتية

«مهداة.. إلى كل كلاب حوارينا الفقيرة»
(1)
منذُ أن أذيع خبر عرض مكافأة مالية قدرها اثنان مليون جنيه لمن يعثر على الكلبة “سكرا”، قرة عين المذيعة الشهيرة، والفقراء انتفضوا واقفين يرفضون القعود مرة ثانية.
جميع الفقراء أمثالي راحوا يحلمون بالحصول على قيمة المكافأة؛ لتحقيق أحلامهم، مما جعل بعضهم يخرجون من بيوتهم منذُ الصباح الباكر بحثًا عن الكلبة “سكرا”، ولا يعودون إلا بعد منتصف الليل، وطوال هذه الساعات تظل ألسنتهم تردد فى شوق ولهفة دون توقف:
– سكرا.. أين أنتِ يا سكرا..؟!
وبعضهم خرجوا من بيوتهم بعد أن أقسموا ألا يعودوا إليها مرة ثانية قبل أن يعثروا على “سكرا”.
أما عن عم “محمود” الطاعن فى السن فلم يخرج من بيته مثل غيره، بل ظل يُفكر ويُفكر فى أمر الكلبة “سكرا”، وكيف يعثر عليها..؟ وما الأماكن التي من الممكن التواجد فيها..؟
وما الذى جعلها تخرج وحدها من القصر الأجمل إلى الشارع الموحش..؟ وغيرها من الأسئلة التي راح يطرحها هذا المسكين على نفسه دون الوصول إلى إجابة واحدة، وعندما شاهدته زوجته شارد الفكر لأول مرة راحت تسأله:
– ما الذى جعلك تجلس لساعات وتحدث نفسك..؟!
التفت إليها وراح يقول وهو “يهرش” فى رأسه:
– الكلبة “سكرا”.
مُبتسمة راحت تقول زوجته:
– هذه الكلبة التي جننت الناس بسبب الاثنين مليون جنيه.
فى خبث راح يسألها زوجها:
– ماذا تفعلين لو أنكِ امتلكتِ هذا المبلغ..؟!
دون تفكير أجابته:
– أجهز بناتي الثلاثة من الألف إلى الياء.. جهاز يليق بهم، حتى تفتخر كل واحدة منهن أمام عريسها عندما يتقدم إليهن، ثم أحقق رغبة ابننا الوحيد وأدخله كلية طب خاص، ثم أجري لك عملية الغضروف فى ظهرك من جديد، غير التي أجريت لك فى التأمين الصحي بعد أن فشل الطبيب الله لا يسامحه، ثم أجري لي عملية تصحيح البصر فى عيني، ثم أجري لي عملية الدوالي، وبعدها أعمل عملية الناصور، ثم نشتري عفشًا جديدًا غير الذى اضطررنا لبيعه من أجل الإنفاق على أولادنا، وإذا ما تبقى مالٌ نذهب سويا لعمل عمرة.
صمتت زوجته للحظات وسرعان ما عادت تسأله:
– وأنت ماذا ستفعل إذا ما حصلت على هذا المبلغ..؟!
أجابها دون تفكير:
– سوف أفعل كل ما قلتيه.
عادت زوجته تسأله:
– ولكن ما الذى جعلك تُفكر فى أمر الاثنين مليون جنيه مكافأة من يحصل على الكلبة “سكرا”..؟ هل تعرف مكانها..؟
مُبتسمًا وفى ثقة راح يجيبها زوجها:
– نعم أعرف مكانها.
تعجبت الزوجة التي وقفت مُتسمرة فى مكانها، وهى تُحدق فى وجهه دون أن تتفوه بكلمة واحدة، ثم عادت تقول بعد أن أفاقت من صدمة كلام زوجها:
– هل حقًا أنت تعرف مكان الكلبة “سكرا”..؟!
– نعم أنا الوحيد الذى يعرف مكانها.
– وأين هي..؟!
فجأة راحت تتعالى ضحكات الزوج، ثم راح يقول:
– الكلبة “سكرا” هى التى تجلس أمامك الآن.
تعجبت الزوجة من إجابة زوجها، مما جعلها تقول:
– ليتها كانت تجلس أمامي الآن كما تقول، أقسم بالله سوف أذهب بها إلى الإعلامية الشهيرة وأحصل على المكافأة.
– سوف تذهبين إلى الإعلامية الشهيرة وتحصلين على الاثنين مليون جنيه، حتى نحقق كل ما نتمناه لنا ولأولادنا.
– كيف تقول هذا ونحنُ لم نعرف مكان الكلبة..؟!
قالتها الزوجة، وانتظرت إجابة زوجها الذى قام من مكانه غاضبًا وراح يقول فى عصبية شديدة:
– ألم أقل لكِ إن الكلب “سكرا” تقف أمامك الآن.
فى انفعال ردت زوجته:
– أين الكلبة “سكرا”..؟!
– أنا.
فى انهزامية شديدة وانكسار أشد قالها الزوج الذى راح يُحدق فى وجه زوجته وهو يحبس دموعه، وما زالت الزوجة تُحدق فى وجهه غير مُصدقة ما قاله، مما جعلها تقول:
– أتعود لمزاحك.
– أقسم لك أنني أتحدث بصدق، أنا سوف أقوم بدور الكلبة “سكرا” وتحصلين أنتِ على المكافأة لتحققِ كل ما تتمنيه وما
يتمناه أولادنا.
فى غرابة شديدة راحت تقول زوجته:
– ماذا تقول..؟! وكيف يحدث ذلك..؟!
على الفور راح يُجيبها:
– أنتِ تعلمين أنني كنتُ أعمل عملاً إضافيًا بعد وظيفتي فى محل بيع الكلاب قبل أن أحال للمعاش، وكما تعلمين أنني أُجيد تقليد حركات وأصوات جميع الكلاب، فما علينا إلا أن نقوم بتنزيل فيديوهات للكلبة “سكرا” حتى أستطيع أداء دورها على أكمل وجه، ثم يأتي دورك فى أن تشتري قماشًا من الفرو الذى يشبه تمامًا لون الكلبة “سكرا” وأنتِ بسم الله ما شاء الله تُجيدين التفصيل بحرفية شديدة، ثم بعد ذلك تقومين بسحبي إلى قصر الإعلامية الشهيرة، وتأخذين المكافأة، وإذا ما اشتقتِ إليَّ أنتِ والأولاد سوف نتفق على موعد نتقابل فيه، المهم والأهم أن تحصلي على المكافأة حتى تحققي رغبات أولادنا قبل أن نموت.
– ماذا تقول..؟ لن أفعل ما قلته.
قالتها الزوجة ودموعها تسبق كلماتها.
فى غضب عاد الزوج يقول:
– بل سوف تفعلين.. مصلحة أولادنا، ثم إجراء العمليات لكِ فوق كل شيء.
وما إن قالها الزوج حتى ركع على الأرض وراح يقبل قدم زوجته وهو يقول باكيًا:
– أرجوك أن تفعلي ما قلته لكِ.. منذُ زواجنا وأنتِ لا ترفضين أي طلب أطلبه منكِ، فكيف بعد هذا العشرة ترفضين طلبي الوحيد والأخير..؟!
انحنت الزوجة وراحت تحتضن زوجها، وظلا يبكيان.
(2)
فى
ألم
شديد
وحزن
أشد
لم تزل الزوجة تسحب زوجها الذى يسير على أربع فى طريقهما إلى القصر الشهير فى التجمع الخامس، بعد أن قام الزوج على أكمل وجه بأداء كل ما تفعله الكلبة “سكرا” مع الإعلامية الشهيرة ومع أفراد أسرتها، وما أن وصلا حتى قالت الزوجة للحارس الذى يقف خلف بوابة القصر أنها تُريد أن تقابل الإعلامية الشهيرة فى أمر يخصها، وما إن نظر الحارس إلى زوجها/الكلبة “سكرا” حتى قال فى سعادة وفرح طفولي:
– الكلبة “سكرا” عادت بالسلامة.
ظل الحارس يرددها وهو يمسك بسماعة التليفون الواقفة فى شموخ خلف البوابة، وراح يخبر الإعلامية بما سمعه، ويبشرها بعود الكلبة “سكرا”.
على الفور أمرته أن يسمح للمرأة بالدخول.
وما إن وقع بصر الزوج/الكلبة “سكرا” على الإعلامية الشهيرة حتى أسرع إليها وظل يفعل تمامًا ما كانت تفعله الكلبة “سكرا” والإعلامية الشهيرة راحت تقبلها فى سعادة غامرة.
مشهد الزوج/الكلبة “سكرا” الذى لم يزل يسير على أربع جعل الزوجة تبكى فى حرقة وفى صمت شديد.
لم يزل الزوج/الكلبة “سكرا” ينظر إليها ليحثها على التحدث كما اتَّفَقَ معها قبل دخول القصر.
على الفور راحت تقول الزوجة يسبق كلامها دموعها:
– لقد بحثتُ أنا وأفراد أسرتي عن قرة عينك الكلبة “سكرا” حتى وفقنا الله ووجدناها، وها هي تعود لحضرتك، وأُريد منكِ الاثنين مليون جنيه المكافئة كما وعدتِ حضرتك.
مُبتسمة وفى ثقة راحت تقول الإعلامية:
– حاضر انتظري لحظات.
قالتها الإعلامية الشهيرة التي راحت تسير فى سعادة وهى تسحب الكلبة “سكرا”/ الزوج الذى راح يسير بجوارها على أربع وهو فى غاية غاية السعادة.
دقائق وعادت الإعلامية، وراحت تمد يدها بشيك للزوجة التي راحت تنظر تارة إلى زوجها، وتارة أخرى تنظر إلى الشيك.
– تفضلي شيك بقيمة المكافأة التي أعلنت عنها.
مُبتسمة قالتها الإعلامية للزوجة التي مدت أصابعها المرتعشة لأخذ الشيك.
– شرفتِ القصر.
مُبتسمة قالتها الإعلامية للزوجة التي لم تزل تنظر فى حزن وألم وانكسار إلى زوجها الذى لم يزل يحرك رأسه ليحثها على الخروج سريعًا.
– ممكن طلب بسيط جدًا.
فى رجاء وتمنٍ قالتها الزوجة للإعلامية التي راحت تقول مُضطرة:
– هل تُريدين زيادة المكافأة..؟!
– لا يا هانم، ولكن لي رجاء وحيد عند حضرتك، وأرجوكِ أن توافقينى عليه، أنا أحببت الكلبة “سكرا” لا بل إنني أعشقها بجنون، ليس أنا وحدى بل أولادي أيضًا، وكل ما أرجوه أنني وأولادي سوف نأتي مرتين كل أسبوع لرؤيتها.
– أسفه جدًا.. مهمتك انتهت الآن، مع السلامة.
فى غضب قالتها الإعلامية للزوجة التي لم تزل تنظر إلى زوجها ودموعها لم تتوقف، والكلبة “سكرا”/الزوج لم يزل يُحرك رأسه ليحثها على الخروج سريعًا.
مُضطرة خرجت الزوجة فى بطء شديد يسبق خطواتها
دموعها.
– ماذا لو جاءت الكلبة “سكرا”..؟!
قالها الزوج المُنحنى على أربع.
قالها مُحدثًا نفسه فى همس وحيرة.
عاد يُجيب نفسه فى همس وثقة:
– لا يهمني ما يحدث لي، المهم أن يتحقق كل ما يتمناه أفراد أسرتي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *