صار ينتظر صوتها القادم من الهاتف كل مساء، لم يكن يعرفها لكنها تعرفه وتتابع جنونه التشكيلي ، جلس على كرسي جلدي، وراح ينظر في لوحاته المعلقة على الجدران بشكل مهمل ، لم تعجبه لوحة واحدة ، علّق لوحة وبدأ يعبث بها ، لكنه تراجع وراح يتأمل الهاتف ، ويتخيل صاحبة الصوت المسائي ( رجل مثلي تجاوز الخمسين ، لا يمتلك ذلك الجمال العبقري لنصب فخاخه للحسناوات ، ولا ثراء يلبّي رغبات الفتيات الطامحات ، مجرد فنان يغازل اللوحات بقلبٍ بارد ، ويحدّق في الأشياء برغبة ميتة ، لكنه أحسّ بخيط دافئ يتسلل إلى قفص قلبه المتيبس.
صار يدقق في وجهه أمام المرآة ، ويقول لقد جاء الصوت متأخراً جداً ، وكيف سُرقت هذه السنوات من عمري مرة واحدة ، كنت أنظر للمرآة كل يوم لكنها المرّة الوحيدة التي أحسّ بها بخسارةٍ فادحة .
من أطفأ لهيب الرغبة والحياة في دمي !!! ، وهذه التجاعيد لم يُشكّلها قلق القلب ولا خفافيش الأحلام .
امتدت أصابعه الغارقة بالألوان إلى الهاتف الرابض أمامه كقط أليف ، تحسّسه ، أحسّ برعشة غريبة . بمطر تساقط فجأة على جسده الهرم العاري .وأخذ يتمتم بقهرٍ مذل ..كم كنت سخيفاً ومغفلاً ، الأعذار انتهت في هذا الوقت الحرج ، كنت مطعوناً بغياب الألوان الصامتة عندما كان جرس العزلة يدق.
عاد إلى لوحته البيضاء مرة أخرى ، بدأ يتدفق على مخيلته تفاصيل وجه حبيبته ، يتخيل ويرسم . العاشقة أتعبته ، أحسّ بأن كل شيء حوله يتغير ..والصور تزدحم في رأسه ، بدأ يحسّ أنه سوف يفتقدها ذات مساء كما افتقد عمره الخائب .
( إنني بحاجة لها ، أو لأي شيء أسوّي به عزلتي ، من فتح عليّ باب هذا الوجع الثقيل ، قرر أن لا يترك اللوحة حتى يكملها ، يريد أن يخلص من هذا الضغط الهائل ، لكنه كلما حاول أن يرسم شيئاً يتردد ، ترتعش يداه ، يتوه في ضبابها ، وكلما حاول أن يترك اللوحة تشدّه بِصمتِها ، أصبح المكان أكثر وحشة وأكثر سكوناً وقلقاً ، ضاق صدره ، راح يسبح في فضاءات واسعة يجري مكبلاً بأشياء قديمة ..والماضي صورٌ تحوم حوله ، مثل طيور خرافية وثمة بؤر سوداء تلاحقه تخترق جسده العاري ورأسه ، أحسّ كأنه في قاع محيط .
عاد للوحته ، لحبيبته وبلا وعي أكمل لوحته دفعة واحدة بتوتر وجنون .
انتظر جرس الهاتف ، لكنه لم يرنّ ، وفي اليوم التالي لم يرنّ ، جلس أمام لوحته يتأملها يعيد صياغتها ، فجأة رنّ جرس الباب ، قفز نحوه ،فتحه لم يجد أحداً …رنّ جرس الهاتف ركض باتجاهه بجنون ..آلو ..آلو جاء الصوت حزيناً ..أرجوك سأرحل اليوم و ..أغلقَ الهاتف بانكسارٍ مذل ، لم يحتمل الصدمة ، انتابه فزع شديد ، حضن اللوحة ، تأملها بعيون مرتجفة ، لمحها بيضاء صامتة ، شعر بالأرض تنزلق من تحته ، وبالسقف يتفسخ من فوقه ، خرّ صريعاً على الأرض فيما اختلطت الألوان وراحت تسيل على جسده الملقى نقطةً نقطة ، راسمة لوحة تشكيلية يصعب فهمها .