2026-06-20

الحج في وجدان مؤرخ.. رحلة ابن بطوطة نحو البيت العتيق

مطلع عام 725 هـ، حزم الشاب ابن بطوطة حقائبه، لا ليجوب الآفاق أو يطوي قارات العالم كما سيفعل لاحقاً، بل ليسكب على أعتاب مكة قلمه بلاغة وعاطفة، متوجاً في نهاية المطاف «أميراً للرحالين»

أدباتية: لم تكن الخطوات الأولى لشابٍ طنجيّ لم يتجاوز الحادية والعشرين من عمره مجرد رحلة عادية، بل كانت زلزلة في وجدان الفتى «ابن بطوطة»، نداء غامض وعميق يتردد في جوانحه، يناديه نحو البيت العتيق.
مطلع عام 725 هـ، حزم الشاب حقائبه، لا ليجوب الآفاق أو يطوي قارات العالم كما سيفعل لاحقاً، بل ليسكب على أعتاب مكة قلمه بلاغة وعاطفة، متوجاً في نهاية المطاف «أميراً للرحالين»

خروج هذا الشاب الطموح لم يكن حدثاً عابراً، بل جاء ثمرة العصر الذهبي للرحلات الحجازية المغربية بين القرنين الخامس والثامن الهجريين. الوهج الخاص بهذه الأسفار ورغم أنه خبا قليلاً في فترات طغى فيها وازع الجهاد في الأندلس حماية لثغور المسلمين —تأثراً بفتوى ابن رشد الشهيرة التي آثرت الرباط على الحج— إلا أن الشوق المشتعل ظل يحدو قلوب الأعلام.

السلسلة الذهبية من الرواد كانت قد تشكلت مسبقاً لتمهيد الطريق لابن بطوطة والسير على درب الأشواق، وتضم قامات رفيعة منها:

  • «ابن جبير الأندلسي»: الذي خطا بالرحلة خطواتها الواسعة الأولى.

  • «ابن رشيد الفهري»: صاحب المؤلف الشهير «ملء العيبة».

  • «العبدري»: في رحلته المغربية الفريدة.

  • «التجيبي»: في أثره المسمى «مستفاد الرحلة والاغتراب».

القدر جعل ابن بطوطة يأتي متوجاً لهذا العقد الفريد، متبوعاً بأعلام كالبلوي في «تاج المفرق»، وابن الحاج النّميري في «فيض العباب»، والرَّعيني في رحلته المنظومة. الغاية من هذه الأسفار لم تكن لمجرد نيل البركات فحسب، بل كانت رحلات علمية لِلقاء كبار الشيوخ في المشرق والعودة بأثمن الإجازات.

حين تضطرب المسالك.. الركب الشامي يحمل الأمل

الدروب نحو مكة لم تكن مفروشة بالورود؛ ففي عام 725 هـ تعذر الحج على ابن بطوطة بسبب صراعات دموية اشتعلت بين قبائل البجا والمماليك على ساحل البحر الأحمر. الشاب المغترب انتظر عاماً كاملاً يحترق شوقاً، حتى أطل موسم عام 726 هـ/1326م، ليلتحق هذه المرة بالركب الشامي المنطلق من دمشق في شهر شوال، عابراً الفيافي القاحلة نحو المدينة المنورة ثم مكة المشرفة.

العشرون من ذي القعدة كان الموعد المنتظر، حيث انجلت الغُمّة، ووقفت عيناه أمام المهابة والجلال. المشاعر الجياشة في تلك اللحظة صاغها بجزالة هزت الأركان قائلاً: «وشاهدنا الكعبة الشريفة زادها الله تعظيماً وهي كالعروس تجلى على منصة الجلال، وترفل في برود الجمال، محفوفة بوفود الرحمن، موصلة إلى جنة الرضوان».

الفلسفة العميقة للشوق صاغها الرحالة المغربي بعد أن أتم طوافه وسعيه بقوله: «ومن عجائب صنع الله تعالى أنه طبع القلوب على النزوع إلى هذه المشاهد المنيفة… فلا يحلها أحد إلا أخذت بمجامع قلبه ولا يفارقها إلا أسفاً لفراقها… وكم من ضعيف يرى الموت عياناً دونها، ويشاهد التلف في طريقها، فإذا جمع الله بها شمله تلقاها مسروراً مستبشراً كأنه لم يذق لها مرارة».

تراتيل القرون الوسطى.. طبول مكة وأسرار عرفة

غرّة ذي الحجة شهدت رصداً من ابن بطوطة لمشهد عجيب؛ إذ كانت: «تُضرب الطبول والدبادب في أوقات الصلوات وبكرة وعشية إشعارا بالموسم المبارك». اليوم السابع من الشهر يشهد خطبة الخطيب إثر الظهر ليعلم الناس المناسك، وفي اليوم الثامن، يبكرون إلى منى، حيث تشتعل منافسة مدهشة بين أمراء مصر والشام والعراق في إيقاد الشمع، وكان الفضل والسبق فيها دائماً لأهل الشام.

التاسع من ذي الحجة هو يوم الانطلاق نحو عرفة مارّين بوادي محسّر مهرولين. المشهد هناك يتوسطه جبل الرحمة، وفي أعلاه قبة تنسب إلى أم سلمة رضي الله عنها، وفي أسفله دار عتيقة تنسب إلى آدم عليه السلام. اللحظة الدرامية المهيبة تبلغ ذروتها حين يحين وقت النفر، ويصفها ابن بطوطة بقوله: «إذا حان وقت النفر، أشار الإمام بيده ونزل عن موقفه فدفع الناس بالنفر دفعة ترتجّ لها الأرض وترجف الجبال، فيا له موقفاً كريماً، ومشهداً عظيماً!».

تفاصيل مكة عاشها ابن بطوطة بكل جوارحه؛ فرأى بركة الأقوات في أرض جدباء مقفرة، وأكل فيها من العنب والتين والخوخ والبطيخ المجلوب من الطائف ووادي نخلة وبطن مرّ ما لا نظير له. يوم النحر حمل إليه رؤية كسوة الكعبة القادمة مع المحمل المصري في عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون، ورأى طرازها الأبيض المشرق فوق السواد، كما رصد كثرة تصدق الركب العراقي بالذهب حتى رخصت الأسعار. الرحالة الطنجي انطلق بعد ذلك من مكة مع الركب العراقي لتبدأ سياحته الطويلة التي استمرت بضعة وعشرين عاماً، مخلداً كتابه الأسطوري «تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار».

بعد ستة قرون.. المحروسة تحمل الخديوي والبتنوني

الزمان يدور دورته، وستمائة سنة كاملة تمر على تلك الأحداث. التاريخ يشير الآن إلى عام 1909م (1327 هـ)، والخديوي عباس حلمي الثاني، حاكم مصر، يقرر أداء الفريضة ليصبح اسمه لاحقاً «الحاج عباس حلمي». الحاشية الفخمة للحاكم المصري كان يعلوها رجل يحمل عيناً ثاقبة وقرطاساً وقصباً، وهو المؤرخ والرحالة محمد لبيب بك البتنوني، ابن قرية «البتنون» بالمنوفية، وصاحب الرحلات الشهيرة إلى الأندلس وأوروبا، والذي كُلف بتدوين كتاب أصبح يُدرّس لاحقاً في المدارس المصرية بطلب من وزارة المعارف وبثناء من رئيس الوزراء محمد سعيد باشا، وهو كتاب «الرحلة الحجازية».

البتنوني كان يهدف من وراء قلمه إلى نفض الغبار عن حقائق بلاد الحجاز التي كان يقصدها آنذاك أكثر من 200 ألف نفس سنوياً، مبتعداً عن ترهات الوهم ومغالبة الغرض، فجاءت رحلته خليطاً ساحراً بين التاريخ، والوصف الاجتماعي، والفقه.

جدة المستعرة بالحركة.. مكة تستقبل الخيالة

اليوم التاسع والعشرون من ذي القعدة 1327 هـ (11 ديسمبر 1909م) شهد انطلاق الركب الخديوي بالقطار من القاهرة إلى السويس، ومنها عبر اليخت الخديوي الشهير «المحروسة» إلى رابغ حيث أحرموا، ثم إلى جدة التي كانت تعيش تحت حكم الأشراف الهاشميين وبولاء للدولة العثمانية.

الحركة المستعرة في جدة وصفها البتنوني بدقة؛ حجاج تائهون، ومطوفون يصرخون عند بوابة الجمارك الضيقة: «يا حاج فلان!» ليأخذوا الجوازات ويعلموا عليها. المسير نحو مكة انطلق من جدة على صهوات الهجن والحمير والأحصنة، إذ لم تكن السيارات قد وطئت تلك الأرض بعد.

ليلة الثالث من ذي الحجة شهدت وصول الخديوي عباس حلمي الثاني على صهوة جواده، حيث استقبله الشريف حسين وأكابر القوات العثمانية والمصرية في مشهد مهيب، ودخل الحرم ليعقبه احتفاء بالغ. يوم الجمعة حمل رصداً من البتنوني لعادة قديمة، تمثلت في صعود أحد «الأغوات» مع الخطيب على المنبر لضمان أمنه، قبل أن يُنعم الجناب العالي على الخطيب بخلعة سنية.

عدسة البتنوني.. أسواق تعج بالحياة وبريد مفقود

البتنوني لم يغفل عن نقد الواقع بروح العصر الحديث؛ فقد عاب تخلّف وسائل الاتصال كالتلغراف والبريد اللذين بناهما الوالي عثمان نوري باشا عام 1882م؛ فالخطابات تصل مكدسة على الجمال في «زكايب» وتُلقى في طرقة مكتب البريد الضيقة، ليأتي المطوفون يفتشون عما يخصهم بالصدفة!

الأسواق على الجانب الآخر كانت تنبض بالسحر والجمال؛ «سوق الشامية» بشمال الحرم، كان الأشبه بالأسواق التركية وبخان الخليلي في مصر، حيث شوارعه الضيقة تزدحم بالجمال، وتفوح منها روائح العطريات الذكية، وتلمع فيها السبح، والأقمشة الحريرية الهندية والشامية، وفصوص الفيروز والياقوت والعقيق التي يبيعها حجاج اليمن بأسعار رخيصة.

مشهد الختام.. الفرمان الأخير ودموع الإفاضة

صعيد عرفة الطاهر وقف عليه البتنوني يرقب الحجيج بقلب واجف قائلًا: «وهم وإن انفصلوا في هياكلهم فإن قلوبهم مرتبطة ارتباط ذرات الجسم الواحد». فترة ما بعد العصر شهدت تحرك المحملين المصري والشامي بحرسهما، وصعد خطيب عرفة (قاضي مكة المعين من السلطان العثماني) على ناقته ليخطب في الناس، ومع غروب الشمس، أُطلق صاروخ من قِبل الخطيب، لتبدأ الإفاضة وسط ضرب المدافع، وعزف الموسيقات العسكرية، وانهمال عبرات الخشوع.

المشهد في منى، حيث تُذبح الأضاحي وتُحلق الرؤوس، عاين فيه البتنوني طقساً سياسياً مهيباً، تمثل في قراءة الفرمان العثماني المرسل من إسطنبول من السلطان محمد الخامس العثماني إلى الشريف حسين، بحضور الخديوي عباس حلمي الثاني. الفرمان تُلِي بالتركية ثم تُرجم للعربية، وهو يوصي بحماية الحجيج، وتأمين الطرق، والضرب على أيدي الخارجين من الأعراب، وتوزيع الصدقات بالتحري والضبط.

تلاقي الزمان والمكان.. ستة قرون من الشوق الممتد

الفجوة الزمنية الممتدة لستة قرون بين عام 1326م وعام 1909م، لم تمنع كتاب «الرحلة الحجازية» وكتاب «تحفة النظار» من أن يكونا مرآتين لروح واحدة لا تتغير. السياسة تبدلت، والدول تغيرت من المماليك إلى العثمانيين، ووسائل الاتصال تطورت من قوافل الجمال البطيئة إلى القطارات السريعة والباخرة «المحروسة»، لكن الشوق ظل هو الشوق الثابت. الفيض العاطفي لابن بطوطة في العصر الوسيط، يلتحم اليوم بدقة التوثيق للبتنوني في مطلع العصر الحديث، ليلتقي المغرب بالمشرق في أرشفة حية لذاكرة الأمة التي لا تموت.

About The Author