أدباتية – أحمد زكي شحاتة: بحلول العام ألف وتسعمئةٍ وأربعةٍ وخمسينَ، يعلن القدر ميلاد شاعر جديد، حمل على عاتقه منذ البداية مهمة تجديد المشهد الإبداعي، فانطلق كحسونٍ مغرد، يقول: «أدين بالديانات اللي في الكون بحالها/ وانا وحدي بس اللي حاسس بحالها / بحال البلاد الحزينة/ وحاسس بكّمِّ الصداع اللي طاح بالسفينة / وصدّع حيطانها / وحطم رؤوس العباد في المدينة وقفّل بيبانها / وهان الولاد في القرى والنجوع…».
سيجارته لا تفارق إصبعيه السبابة والوسطى إلّا لتلثم شفتيه بين لحظة وأخرى قبل أن تعود إلى موضعها، واثق الخطى يمشي في كل دَربٍ، طويل القامة كشجرة توت يستظلُّ بفَيء أغصانها المبدعون من كل حَدَب وصوب، وحين يجنّ الليل تتحول شجرة التوت العتيقة إلى وسادةٍ ومتكئ لغدٍ جديد.
حين يلقي الليل عباءَته على قرية الحدادي التابعة لمدينة سيدي سالم بمحافظة كفر الشيخ ويخلو كل حبيب بحبيبه، يهرع الشاعر الكبير السعيد قنديل إلى أوراقه ليخطّ عليها ما اختزنته الذاكرة من قصائد أنتجتها قريحته في ساعات العصاري، فبينما يلقي بالصنارة في الترعة الكبيرة منتظرًا أن يلتقط السمك الطُعم، ينفصل عن العالم ويحلّق بروحه في آفاق أخرى، يدخل عالمًا إثر عالمٍ ينقّب في صفحات التاريخ بذاكرةٍ فولاذية ليضع قصائد شاملة، ضفّر فيها التاريخ بالجغرافيا، والعامية بالفصحى، والصور البلاغية بجذوع كلماتٍ صلبةٍ جامدة تكاد تزلزل الأرض من تحت أقدام الطغاة:
«بتفرك إيديك/ الدموع اللي واقفة ف عينيك/ ومش راضية تنزل/ لَتغسل حدود البلاد اللي هانت عليك/ ولسالها في القلب حبة حاجات/ ما تاهت حاجات/ وضاعت حاجات/ وماتت كتير م الحاجات في الغارات..».
قنديل.. لم يكن لقبًا عبثيًا، لكنه اختيارٌ إلهيٌ لشاعرٍ أفسح الله في قلبه براحًا، وكساه ملامح فرعونية أصيلة، وجعل من روحه مستراحًا للآخرين، لتخرج كلماته وقودًا لقناديل يهتدي بنورها التائهون في دروب الإبداع.
وانطلق السعيد قنديل «شايل جناحه الرايات الجداد/ بيعلن بداية سنين الحداد/ ويرفع على كل ربوة عَلَم..».
ويمر العام بعد العام، متنقلا بين مراكز البحوث الزراعية في الدلتا والوادي الأخضر، يتجه جنوبًا تارة وشمالًا تارات، فيترك متاعه في المسكن المخصص للمهندسين الزراعيين وينتقل إلى أقرب قصر للثقافة، يلتقي المبدعين الذين عرفوه من خلال أشعاره التي تنشرها المجلات والصحف، فيرونه لأول مرةٍ جسدًا من لحم ودم، ثم يأتي فرمان حكومي جديد بنقله إلى محافظة أخرى فيعيد سيرته الأولى، وما زال هكذا دأبه حتى استقرّ به المقام مجددًا في مسقط رأسه، بعد أن طاف البلاد وتفقّد أحوال أهلها، وبين هذا وذاك لا يكف عن رفع صوته عاليًا «ويلعن أبو الظلم واللي انظلم/ فيوصل صداه للحارات والبيوت/ ويوصل صداه للبقر والغنم/ ويوصل صداه للشعوب والأمم/ ويوصل مداه للسما والهرم».
كعريف الكتّاب الذي يجمع من حوله الصبية يلقّنهم حروف الأبجدية، دأب الشاعر الكبير السعيد قنديل على تقديم النصح والإرشاد لكل المواهب الشابة، فتراه يشجع هذا ويشيد بذاك ويشد على أيدي هذه ويوجّه تلك، تمامًا كقنديل لا ينفد زيته يكاد سنا ضوئه يغمر الكون بالمحبة والإبداع.
More Stories
سعد النجار.. أسير القصيدة وراهب القوافي
محمد فتحي الخياط.. شاعر ينسج من أوجاع الغربة دفء الوطن
رشاد محمد يوسف.. شاعر الأزهر وحارس الحرف الأصيل