أدباتية – أحمد زكي شحاتة: لا يجوزُ لابنِ الشيخ ما يجوزُ لأترابِه، هذه حقيقةٌ ملموسةٌ على أرضِ الواقع، فالمشايخ المعمّمون أو غيرُ المعممين يتحملون مسؤولية أخلاقيةً تجاه المجتمع، لديهم قواعدُهم ودساتيرُهم الخاصة، وبِناءً عليه فإن أهلَ بيتِ الشيخِ يصيبُهم ما أصابَه فيعملون بدستورِه فلا طيشَ ولا نزَق، على هذا الدستور ولد ونشأ وعاش المبدع الكبير الكبير د. طه هنداوي.
في بيتِ الشيخ قارئ القرآن المشهور، يستيقظ الطفلُ طه في الصباحِ على صوتِ أبيه يرتلُ سورةَ الفتحِ، فتسلل الآياتُ إلى قلبِه نورًا ومفتاحًا لكل المغاليق، فيخرج إلى مدرستِه مُعلّقًا في كتفِه اليسرى كيسًا قماشيًا –(فلم يكن جيلُنا يعرف في مراحل تعليمه الأوليّ الحقائب المدرسية يسميه تلاميذ التربية والتعليم شنطة، بينما يطلق عليه الأزاهرة اسمَ مخلاة)– بينما يضع يده اليمنى على صدغه محاولًا تقليد أبيه، الذي كانت له نغماتُه الخاصة فلم يقلد أحدًا من المشاهير الذين عاصروه، وأبرزهم الشيخ عنتر مسلّم.
وفي طريق العودةِ بعد يومٍ دراسي حافلٍ، يقطع مع أترابه قرابةَ الكيلومترين اثنين، بعضهم يداعب حجرًا بكعب حذائه البلاستيكي الأبيض وآخر يتسلق شجرة الجميز على شاطئ الترعة، وثالث يعمد إلى أقر جسرٍ فيلتقط بقدر ما تستوعب كفاه الرقيقتان قرونَ الفول الحراتي، بينما هو يمشي في طريقٍ مستقيمة كأن على كتفه نسر المهابة والوقار يخشى أن يميل فيطير عنه، وما زال هكذا دأبه حتى ضبط نفسه ذات مرة يقول: (
أبــويا شيخ حتته .. كتّـــابه قــــول جــامعة
الســـــاعة (6) الصبح .. تلقى الولاد جـــــــامعة
مالوهشى دعوة بحصة .. وماهر فى دى الصنعة
ضميره صاحى وسيرته.. لباب السمـا طـالعة)، فأحس أنه يكتب الشعر، وراح يكتب في كل يومٍ قصيدةً جديدةً أو بعضَ قصيدة، يرسمُ من خلالها لوحةً بهيةً لمشاهد الجيران وأهل القرية في غدوهم ورواحهم، فيقول: (مع نسمــة البدريّـــــــة.. يتمشّى سعـــــــــداوى
بيناغى حبل الجاموسة.. ولمهنتــــه غــــــــاوى
بيصلّى ع المصطفــى .. ويحيّيى منشــــــــــاوى
قــاصد كريم عشمــان .. مايردّه يــوم خـــــاوى)، ويرصد طقسًا ريفيًا –كان موجودًا قبل أن ينقرضَ -(حين كانت أمهاتنا وجداتنا يحرصن على الاستيقاظ مبكرًا وإيقاظ رب البيت)- بهدهداتٍ رقيقة كان مضمونُها ثابتًا وإن تغيرت بعض مفرداتها من امرأة لأخرى، فيصوِّرُ ذلك قائلًا: (
الديك بيدّن ياراجــــل.. يلاّ إصحى وفــــوق
دا الفجر هلّ بخــــيره..هِمّ قـــــابله بشـــــوق
الرّزق قــــــوم اشهده ..نــازل عليك من فوق
صحـصح ولادك بقـى.. سمّى وفك الطّـــــوق).
ولأنه ولد في بلدةٍ عريقة أنشأها الخديو عباس حلمي الثاني عامَ ألفٍ وتسعمئةٍ وأربعةَ عشَر تُعدّ واحدةً من ثلاث قرى هي الأكثر إنجابًا لحفظة القرآن الكريم على مستوى محافظة كفر الشيخ، كان الاتكّاءُ على الموروث التنزيلي حاضرًا بقوة في كل قصائدِه، من بينها قصيدة (نوبة رجوع) التي رصد فيها وصايا الشيخ/ الوالد فيقول (الشباب من ضمن خمسة فاغتنمها قبل خمسة.. وابقي بيه من ضمن سبعة فـ ضل علاّم الغيوب.
إوعي يغويك الشيطان ..
ويطلّعك عن طوع أبوك
خلّي بالك م اللي جارك ..
دا الرسول وصّي عليه).
وفي إجازة الصيف حيث لا دراسةَ ولا ترجّل في الصباح على شاطئ الترعة، تلتقط عيناه مرحَ الأطفالِ ولهوَهم، فيشكل لنا لوحةً عبقريةً أسماها (براءة) يؤرخ من خلالِها لما يمكنُ أن نتفقَ على تسميتِه (بانوراما الألعاب الريفية)، (البُلّيطة، نط الحبل، صَلّح، وحتى «القَالْ».. تلك اللعبة التي شرَحها بإسهاب بين سطور القصيدة لأنها انقرضت تقريبًا فكان لزامًا عليه أن يؤرخَ لها، من منطلق مسؤولية الشاعر في حفظ التراث).
الحقيقة، أنّ الدكتور طه هنداوي لم يقتصر فقط على الاشتباك مع الواقع المحيط، بل إنه ينطلق في قصائد عدة إلى آفاق أخرى خارجَ نطاق الهمِّ الخاص، فيكتب عن العبارة الغارقة (السلام 98) وعن (قانون الأسرة) ويحلّق في رحاب أم كلثوم تارة وعبد الحليم حافظ تاراتٍ عديدة، ولم تكن فلسطين قضية العرب الأولى ببعيدة عن تناوله، فكتب لأجل جنين، وطولكرم، وخانيونس، ودير ياسين، وكتب من أجل الشهيد الدرة الذي صدّر لديوانه الأول بإهداء إليه.
الشاعر الكبير الدكتور طه هنداوي، أنجز أيضًا إلى جانب ديوانيه المطبوعين وثالثٍ مخطوط، أنجز سلسلةً كاملةً مكتملةً في أدب الطفل، والمفارقة هنا أنّه استعان بمواهب أبنائه في الرسم لتصميم الأغلفة واللوحات التعبيرية المرافقة للنصوص.
كما أصدر مجموعةً قصصية بعنوان «قارعة الحكايات» وفازت بجائزة المستشار أشرف بدير الأدبية لعام 2024م، بالإضافة إلى ديوانين في شعر الفصحى «زيت الدهشة»، و«روحانيات».
كما أنّ له إسهاماتٍ بارزة في حقل التعليم، إذ أنه مؤسس برنامج dr math للذكاء الوجداني، كما أنه أحد مؤسيي مبادرة أبناء مصر للتنمية الثقافية وحفظ التراث «أدباتية».
جزاكم الله خيرا