2026-06-20

المقاتل.. أحمد ماضي

أدباتية – أحمد زكي شحاتة: لم يتوقّع أحد أن يصبح الشاب الريفي البسيط خريج كلية الفنون الجميلة، واحدًا من أشهر أصحاب الصالونات الأدبية في الوطن العربي، ولم يكن أحد ليتوقّع أن يُصنـّف صالونه الشهري في إحدى قرى محافظة كفرالشيخ كأكبر الصالونات العربية على الإطلاق من حيث عدد الروّاد والمتحدّثين، ومن حيث الجرعات الأدبية المكثفة التي يقبل عليها المبدعون من أرجاء الوطن العربي كافة.
بدأ أحمد أحمد إبراهيم ماضي حياته شابًا عاديًا كأبناء جيله، مفعمًا بحب الناصرية، ملمًا بتفاصيل المشروع الذي أقامه وأرسى دعائمه القائد العربي الملهم، يقضى وقته بين الرسم والقراءة، حتى تقدم للتجنيد الإلزامي عام 1968 ليصبح ضابطًا احتياطيًا بسلاح المهندسين العسكريين.. وهناك، داخل قشلاق الضباط في قلب صحرائنا الشرقية، كان يختلي كل مساء بأوراقه يدوّن يومياته، وعندما وقعت الواقعة، ورحل الرئيس الرمز في الثامن والعشرين من سبتمبر من عام 1970، فوجيء قائد وحدته العسكرية بالضابط الشاب يقف أمامه بياقة مُنشّاة، مؤديًا التحية العسكرية في انكسار لم يعهده فيه قائده، طالبًا الإذن للقيام بإجازة ميدانية.
– لماذا يا أحمد؟
* لأشارك في تشييع جنازة أبي.
– البقاء لله.. ولكن كيف علمت برحيله، فالبريد لم يصل بعد؟

* سيدى القائد، إن المحطات الإذاعية ووكالات الأنباء في العالم، لم تُذع سوى هذا النبأ، شاغلها الشاغل منذ عّدة ساعات.
– ربّت القائد على كتفيه – وقد فهم مقصده – وقال: إذا سَمحتُ لك بحضور الجنازة.. فسوف أسمح للجميع، لأنه لم يكن أبًا لك وحدك، بل للجميع.

وانصرف ماضي إلى عنبر القشلاق، وأمسك بورقه وأقلامه وراح يكتب، ويكتب ويكتب، حتى أنهى مجموعة من الأوراق، وضعها بعناية داخل غلاف من الورق المقوى، كتب عليها «جمال عبدالناصر.. أمير الفقراء»، لكنه، لم يفكر يومًا أن ما دونه سوف يصبح رواية تاريخية، وليست مجرد تأملات في حياة زعيم.

ومرت السنوات، وانطلقت حرب أكتوبر، ليبلي ماضي بلاءً حسنًا قائدًا لإحدى الفصائل المكلفة بشق عدّة ثغرات في الساتر الصهيوني المستفز، ولم ينقطع في كل ليلة عن تدوين يومياته، على هيئة خطابات لصديقه الشاعر السكندري صبري أبوعلم، وما إن انتهت الحرب، وحصل على تصريح بالإجازة حتى انطلق لزيارة صبري في الإسكندرية، ليفاجأ به محتفظًا برسائله، ووجده يقترح عليه أن يتقدّم بها – كمجموعة قصصية مكتملة البناء بعنوان “الممر”- إلى المسابقة التي أعلنت عنها إدارة الشؤون المعنوية بالقوات المسلحة، عن بانوراما حرب أكتوبر، لتفوز بالجائزة الأولى.

وكأنما كانت المجموعة بمثابة الممر الذي انطلق منه ماضي إلى عالم الإبداع ليتبعها بأعماله “إسكات الماضي”، “الخروج من عالم الأربعة في خمسة”، “الناي الحزين”،”أوراق شاعر”، “جمال عبدالناصر”، “الظلام الدافيء”، “صحوة الموت وغفوة الحياة”، “جمرات خابية”، “لست أنا لكنه اسمي”، “دموع النوارس”، “الخوف”، “ابحثوا لنا عن إمام أخر”، “كيفية ألاّ أكون هكذا”، “البلاد وأشلاء العباد”، “طائر الشوك”، “مآذن قريتي”، “النهر الظمآن”، ماضٍ – خلال أعماله – قُدُمًا فى فضح الفساد ونقد نظامى الرئيسين السابقين أنور السادات وحسني مبارك، دونما حرجٍ أو مواراة.

وفي واحدة من ليالي الشتاء الطويلة، قدّم ماضي الدعوة لعدد من المبدعين بعد الانتهاء من ملتقى أدبي لتناول الشاي في الفيللا الخاصة به في قرية القرضا بمدينة كفرالشيخ – والتي هجرها منذ وفاة والدته- لتتحول جلسة الشاي إلى صالون أدبي، واقترح الحضور” الشاعر الكبير محمد الشهاوي ومعه عدد من المبدعين”سعيد شحاتة – شيرين العدوي- إيمان السباعي.. إلخ” أن تتكرر الجلسة وتبلورت الفكرة ليصبح اللقاء صالونًا شهريًا باسم “جمعية أصدقاء صالون القرضا” بها دار للحضانة ومكتب لتحفيظ القرآن ومكتبة ضخمة، بالإضافة إلى العديد من الخدمات الاجتماعية التي يقدمها ماضي بصفة سرية، كالإسهام في مصروفات الدراسة لعدد غير محدود من رواد صالونه من الطلاب غير القادرين.

والآن بعد هذا التاريخ الحافل بالإنجازات الإبداعية، ألم يحن الوقت لنرى “الأعمال الروائية الكاملة لأحمد ماضي” مطبوعة؟.. سؤال يملك الإجابة عنه القائمون على طباعة الأعمال الكاملة بهيئة الكتاب.

About The Author