أدباتية – أحمد زكي شحاتة: في الدلتا، حيث مصب النهر الخالد، آكام الطمي تشكّل وعيًا، وجدانًا، وجوهًا.. وحضارات.
في أقصى شمال الدلتا، يقف النّاس حيارى مشدوهين بهذا الكهل الأخضر، ذي القلب الطفل العابث فوق ضفاف الكلمات، ينحت حرفًا تلو الحرف فيصنع تحفة، ينبهر الرائي والسامع بالشيخ الواقف فوق المنبر يعظُ الناسَ ويخطبُ فيهِم، وعند غروب الشمس يقود الشعراء بمحفل.. وحين يجن الليل يناجيه:
“يا ليل جرِّدْني/من كل ما بزرائبِ الأضواءِ من عفنِ/ واخلعْ عليَّ عباءةَ البوحِ الإلهيّةْ/ وامدُدْ يديكَ صحائفًا بيضاءَ أَمْلَؤُها قصائدْ/ فالشِّعرُ مملكتي التي من أجْلِها/ أحيا مُطارَدْ/ وأموتُ يا وطني -آهٍ أموتُ- بغير شاهدةٍ/ ولا شاهدْ”.
في أقصى شمال الدلتا، ولد وعاش، ليبقى، شيخ شعراء الوطن العربي وإمامهم محمد محمد الشهاوي، لم يطرق باب الزمن ليستأذن بالولوج.. بل جاءه الزمان سعيًا ينشده الدخول، ليواصل مشروعه، فيدلف –الشهاوي– ممتطيًا صهوة جواد لم يترجل عنه منذ جاء إلى الدنيا في الخامس والعشرين مارس عام ألفٍ وتسعمئةٍ وأربعينَ لينشد:
“ولدتُ المرة الأولى/ وقابلتي هي المنفى/ ومهدي الشوك والصبـّار!! وثديي الجوع والأحجار/ وكان الليل منتصفا/ وكان الكون مرتجفا/ فلم يشعر بميلادي سوى الحيطان/ وعند الصبح قالوا: ليته ما كان/ فإن العالم استكفى“.
وما أن شب عن الطوق انطلق:
“وراءَ الفراشاتِ/ ينفقُ أكثرَ ساعاتِ يَومِه/ ليجنىَ حين يعود إلى البيت تأنيبَ أُمِّه/ وفى الصبح/ يستأنف الركض خلف الفراشات“.
وظل هكذا، “إلى أن رأه أبوه/ فأسرع يدفع عنه أساه/ ويمسح عن مَحجريه الدموع بِكُمـِّهِ/ فلمـّا أحسّ بدفءِ حنان الأبوّة نام”.
ينام الشهاوي، كما تنام العصافير البريئة، ليصحوَ على جلجلة إيقاعات تلاوة الأوراد والأحزاب فى بيت أبيه الخليفة البرهامي، وتتشكل معالم وعيه بما يصل لأذنيه الرقيقتين من موسيقى السماء وألحان الملأ الأعلى.
وفي ليلة موعودة من كل عام.. يسهر الفتى محمد حتى الصباح، يُعطّر سمعه ويبدأ تشكيل ذائقته الإبداعية بنغمات الربابة التي يصوغها العم “أبوالقمصان”، منشدًا السيرة الهلالية والمواويل الشعبية.
وشيئًا فشيئًا وجد نفسه يكتب ما تمليه قريحته.. وعندما عرض إنتاجَه على رفيقٍ له في سكن الطلاب بمعهد دسوق الثانوي الأزهري، أبى أن يصدقه، إذ رآه وقد صاغ قصيدة من بحر البسيط – المعروف بتعدد تفعيلاته – ما يجعل من الصعب على فتىً يافع لم يدرس العروض بعد صياغتها.
وما إن بلغ الثامنة عشرة، حتى أتمّ حفظ أربعة عشر ألف بيت من عيون الشعر العربي، وهنا.. هجر دراسته الأزهرية ونذرَ نفسه للشعر، ليبدأ رحلة جديدة موظفًا بقصر ثقافة كفرالشيخ، وهناك انضمّ إلى الراحل العظيم محمد عفيفي مطر في مجلة “سنابل”، وانطلقا ومعهما عدد من الرفاق، يضربان في مناكب الإبداع حتى ذاع صيت المجلة وصار محتواها يزلزل الأرض من تحت أقدام الطغاة، وجاءت قصيدة أمل دنقل “الكعكة الحجرية”، بمثابة الحجر الذي ألقمه المبدعون لِفىّ النظام، فيصدر الفرمان الساداتي بمصادرة “سنابل”.
لم ييأس الرفاق وقنعوا بمجلة حائط أصدروها صوتًا معبرًا عن جماعة “حوريس” الأدبية، علقوها بالحائط الغربي لمبنى مكتبة قصر الثقافة. ولأن الريح تأتي دومًا بما لا تشتهي السفن، فقد فوجئوا ذات صباح أسوَد، بريح غبيّة وقد عصفت بما صنعه الشباب الطامحون. كان التحدي شعارًا لهم.. وكان الإصرار دليلهم، وكان إيمانهم بموهبتهم ورسالتهم، أقوى من ريح الشر، فأسسوا ناديا للأدب، وانضم إليهم نفر غير يسير من الشعراء والكتاب والفنانين التشكيليين وراحوا يواجهون التيار، يهزمهم تارة.. وينتصرون تارات، حتى وقعت الواقعة التي هزّت منهم القلوب والوجدان، حين انطلقت سيارة عسكرية لتدهس –قيل قاصدة– الشاعر علي قنديل، قبل تخرجه في كلية الطب بعدةِ أشهر.
وعلى أثر الحادث، جفّت الأقلام.. وتحشرجت الكلمات في الحلوق، ومر زمان طويل والرفاق صامتون، لا عن جبن، وإنما من هول الصدمة.
ولم تكد تبرد دماء علي قنديل حتى رحل عبد المنعم مطاوع وعبد الصبور منير.. ثم عبد الدايم الشاذلي، لينطلق الشهاوي صارخًا بعد صمت طويـل:
“أوَ كلما أفرخت بيضةُ الشعر طيرًا جديدًا تَخطّفَه ألفُ رُخ / إننا – الشعراء – ببادية الحزن جيلًا فجيلًا/ قد شبعنا رحيلًا/ أفلم يأنِ للموتِ أن يُغضِىَ الطرفَ عنّا قليلًا”.
ثم ينعى الرفاق:
“إنهم فجأة يرحلون/ تاركين لنا الجرح أنّى يكون“.
ويتساءل:
“كيف لا تتبرعمُ أوجاعُنا لهبًا يتمترس ملء الحنايا/وسُهدا يدمدم ملءَ العيون/ أو كيف لا نحتمي بالجنون/ إنهم فجأة يهبطون/ إنهم فجأة يرحلون“.
وكأن جراح الشعراء دائمًا فتح إبداعي، إذ انطلق بعدها يقول:
“النوى مُرة/ غير أنّ الرحيلْ/ طبُّنا وتمائمنا في الزمان العليل“.
ويؤكد أن “روشتة” علاجه تمثلت في كونه:
“غافلتُ جرحي/ وانطلقت مع الصباح/ زُغردةً: كان الندى/ وأنا: الرياح/ تمضى محملةً بعطر لم يزل/ حُلم المَدى/ غافلت جرحي وانفلتُّ من الردى/ طيرًا يغرد فوق حد السيف“.
وانطلق الشهاوي، من “عين الحياة” إلى “عين الشعر”، ففي قرية عين الحياة التابعة لمركز قلين بمحافظة كفر الشيخ – ولد ونشأ وعاش الشهاوي بلبلًا صداحًا وحسونًا مغردًا.. اختار لنفسه أن يظل طوال حياته بعيدًا عن.. الأضواء منزويًا عن الإعلام في قريته القابعة هناك في “حاضرة السحر والبحر.. وفاتنة الجهات الأربع” في محافظة كفر الشيخ التي بدأ منها الشهاوي وفيها استمرّ، ناسكًا في محراب الشعر المقدَّس، ومريدًا في حضرته البهية.. لم يزاحم يومًا.. بل ترك العاصمة بما فيها لمن فيها، وبقي قانعًا بـ:
“علّمني الصبرُ على المكروه/ ـ ولست بِكَارِه ـ/أن يتحوّلَ فى جسدي/ ناشفُ خبزي لحمًا وفواكه“.
لم ينافق الحكام وولاة الأمور، ليظفر برضائهم.. بل كان شعاره:
“غيري يجيد مدائح الأمراء/ ويحيك ثوب الحُسن للشمطاء/ وسواي يتخذ المدائح سُلـمًا/ يرقى بها لمنازل السعداء“.
وحين اندلعت ثورة الشباب فى الخامس والعشرين من يناير 2011، لم يرضَ بالجلوس في مقعد المتفرج، ولكن ماذا عساه أن يفعل، وهو السبعيني الكهل فى الظاهر، لكنه ثلاثيني أخضر في قلبه، طلب إلى صديقٍ له، أن يصطحبه إلى ميدان التحرير، وهناك راح – قبيل سقوط النظام- يذكي روح الثورة، ويستثير حمية الشباب فنادى فيهم من قلب الميدان:
قنع الشهاوي بالقليل من الـ”شو الإعلامي”، مقابل أن يتفرّغ لتحقيق هدفه الأسمى وغايته النبيلة: أن يبقى ملازمًا لسيده “الشعر”.. فراح يناجيه:
“سيدي الشعر ويا نعم الملك/ أبدًا تهتف روحي: هيتَ لك/ في محاريبك كم سبـّحت لك/ وعلى فلك فؤاد هو لك/ كم وكم قد خضت طوفان الحلك“.
فرد عليه الشعر مناجاته:
“قد رضيناك لنا حزبًا وحِلفا/ ومواويلَ ونايًا وربابة“.
وتستمر الحوارية، ليسبل عليه الشعر خلعته.. ويكسوه حلته:
“وسقيناك مُدامَ الوجد صِرفا/ ومنحناك من الشجو رِحابَه/ وجعلناك لنا خِدنًا وإلفا/ ونديمًا تَخِذَ الحُلمَ رُضابه“.
هكذا ردّ عليه الشعر مناجاته في حوار طويل، استمر لسبعة وسبعين عامًا.. قضاها ـ الشهاوي ـ خِدنًا ملازمًا، وحارسًا مطيعًا لسيده “الشعر”، لتكون المكافأة :
“أيها الأخضر طُوبى لالتزامك/ ولك الحب وتقدير النشيد/ هائمًا عشت ويا طول هُيامِك/ برؤىً تكمن في النائي البعيد/ إنك النرجس في قِفرٍ نما/ وحبيبٌ هو نور النرجس/ فتشبث بالأماني إنما/ يبلغ الغاية من لم ييأسِ“.
لم ييأس الشهاوي ولم يعرف التذمر إلى قلبه سبيلًا..حتى في أحلك الظروف وأجلّ الخطوب، حينما فرّ الكثيرون نحو نُظُم جديدة، يسبحون بحمد القائمين عليها، يمشون في ركابهم، ويلحسون قصاعهم، فقال الشهاوي:
“حين فر الرجال/ وقد سقطوا: واحدًا واحدًا/ تحت أرجل خيل التتار/ تاركين خنادقهم والمعارك“.
قال يخاطب في نفسه الشاعر:
“فادفع اليوم عمرك -يا صاحبي- ثمنًا لاختيارك“، وظل ثابتًا على موقفه يحادث نفسه منشدًا:
“وبَقِيتَ هنا/ تُجبِهُ العارَ وحدَك/ تستوطنُ النارَ وحدك/ تحرسُ أو تحرثُ الأرض وحدك/ وحدك.. تستعطف النيل ألّا يضيع سدى“.
وبقي الشهاوي وحده “لوتسة ترفض الهجرة وتتحدّى المستحيل”، بقي الشهاوي “ثورة للشعر”، وبقي “ليقول للشعر”، وبقي وحده “مسافرًا فى الطوفان” بقي وحده ليعيش والشعرَ “إشراقات التوحد”، بقى ليغامر خلال “أقاليم اللهب ومرايا القلب الأخضر”.. بقى الشهاوي “مكابدًا بين المغني الذي يسكنه وبين الوتر الذي أرادوا لها العزف عليه”، فأبى إلّا “فاكهة النار”، بقي الشهاوي متوحدًا في بهو ولايته الممتدة من شاطيء الحَرْف لقلوب محبيه.