2026-06-20

«النداهة» و«أبو رجل مسلوخة».. عبقرية الحكاية في الأساطير الريفية

أدباتية- أحمد زكي شحاتة: عقارب الساعة تشير إلى منتصف الليل، تلف القرية عتمة كاملة لا تكسرها سوى أضواء القمر الباهتة، فتتحول القنوات المائية الضيقة المحاطة بأعواد الذرة العالية إلى مسارح غامضة تثير الرهبة في النفوس، وفي هذا التوقيت تحديدا حيث لا صوت يعلو فوق حفيف أشجار الجميز العتيقة وأنين السواقي البعيدة، تبدأ الحكاية الشفاهية في ممارسة سحرها المرعب.
 لم تكن الأساطير الشعبية التي تداولتها الأجيال مجرد قصص خيالية يسردها الناس لقتل الوقت، بل كانت تقارير نفسية واجتماعية صيغت بعبقرية بالغة لفرض النظام وحفظ الحياة.

النداء المجهول وفخ المياه الغامضة

يتصاعد التوتر الدرامي مع رصد حركة عابرة لشاب من أبناء القرية اضطرته الظروف للسير وحيدا بمحاذاة المصرف المائي الكبير، ومن جوف السكون القاتل يتهادى صوت أنثوي عذب رقيق، ينادي العابر باسمه الثنائي بدقة متناهية، كأنما يعرفه منذ زمن بعيد، ويتسلل النغم إلى أذنيه ليسلبه القدرة على التفكير أو التراجع، ويمشي بخطوات مسلوبة الإرادة نحو مصدر الصوت عند حافة المجرى المائي، وهناك وسط ضباب خفيف تتراءى ظلال «النداهة»، ذلك الكائن الأسطوري الفتان الذي يجسد الغموض والجاذبية القاتلة في آن واحد.

يقترب الجسد من حافة الهاوية، وتكاد القدم تزل في المياه العميقة لولا تدخل مفاجئ من مزارع اضطرته الظروف لنزول الترعة في هذا الوقت لـ«تسليك» فتحة الساقية، حيث تجمعت نباتات البشنين «ورد النيل» لتسد مدخل الماء المغذي للساقية، لتختفي الظلال وتتكشف معها الحقيقة السوسيولوجية الصادمة، فلم تكن «النداهة» في حقيقتها إلا «آلية دفاع اجتماعية» ابتكرها العقل الجمعي لحماية الشباب والأطفال من خطر الغرق ليلا، وحيث فشلت التحذيرات المباشرة والنصائح الجافة في ردع الفضول البشري، نجحت الأسطورة في خلق رادع نفسي مرعب يبقي الجميع بعيدا عن حواف المياه الخطرة في عتمة الليل.

خطوات الرعب وقانون الطوارئ المنزلي

ينتقل المشهد الدرامي من الأطراف المفتوحة للقرية إلى داخل البيوت الطينية المغلقة، حيث يدب صراع صامت بين أمهات يحاولن فرض السكينة وأطفال يرفضون الامتثال للنوم، ومع تصاعد الضجيج والرفض تتدخل الحكاية الشعبية كأداة حسم فورية، وتنطلق همسات الجدات بالتحذير من الكائن الرهيب الذي يقف الآن خلف الباب المغلق مباشرة، إنه «أبو رجل مسلوخة»، المخلوق المشوَّه الذي يسير ببطء في الأزقة المظلمة، باحثا عن الصغار الذين لم يلتزموا بالفراش ولم يغلقوا عيونهم بعد مغرب الشمس.

تتحول الهمسات إلى ترقب حذر، وينصت الأطفال في رعب حقيقي متخيلين مشهد جرجرة الرجل المشوهة على الأرض الجافة، ما يدفعهم للاختباء سريعا تحت الأغطية الثقيلة دون إحداث أي جلبة، وهكذا تفرض الأسطورة كلمتها كبديل تربوي صارم وذكي، يمثل قانون الطوارئ المنزلي غير المكتوب، وحققت هذه الحكاية الغاية الأهم وهي حماية الأطفال من العقارب والثعابين وضياع الطرقات في القرى التي لم تكن تعرف الإنارة، وتحول الخوف من أداة تدميرية إلى وسيلة ضبط سلوكي بالغة الذكاء.

قراءة أنثروبولوجية في عبقرية الذاكرة الشعبية

تصل الدراما الحكائية إلى ذروتها عند تحليل هذه الظواهر بعين الأنثروبولوجيا، حيث يتضح أن الأجداد لم يكونوا مجرد حكائين يبحثون عن إثارة الرعب بل كانوا علماء اجتماع بالفطرة، وصاغ الريف المصري من مخاوفه الطبيعية بيئة قصصية بليغة حافظت على سلامة المجتمع وحمت هويته الشفاهية من الاندثار، وكانت كل أسطورة بمثابة جدار حماية نفسي واجتماعي يغطي ثغرة خطيرة في البيئة المحيطة.

إن سر بقاء «النداهة» و«أبو رجل مسلوخة» في الذاكرة الجمعية حتى يومنا هذا -رغم التطور التكنولوجي الكامل- يكمن في تلك العبقرية القصصية الفطرية، فقد عرف الفلاح المصري القديم كيف يحول المجهول والطبيعة القاسية إلى حراس غير مرئيين، ووضع قوانينه الصارمة على لسان الكائنات الخيالية، ليصنع مجتمعا متماسكا استمد قوته وأمانه من سحر الحكاية وقوة الخيال الأسطوري.

About The Author