2026-06-20

أحمد زكي شحاتة يكتب عن «جغرافيا الروح»: لماذا تسكننا الأماكن التي غادرناها؟

أدباتية – أحمد زكي شحاتة: للبيوت القديمة في مدننا وقرانا لغة خاصة لا يفهمها إلا عشاق التفاصيل، أزيز الأبواب القديمة وشقوق الجدران التي تختزن ضحكات الصغار، دخان «الراكية» ورائحة الشاي المغلي كلها تفاصيل تختزنها الذاكرة.
 في الأدب، يحتل «المكان الأول» أو بيت العائلة مكانة مقدسة، يكتب الأديب روايات كاملة فقط ليستعيد جدارا أو زاوية كان يجلس فيها في طفولته، هذا الارتباط ليس مجرد «نوستالجيا» عابرة، بل هو بحث عن الأمان والهوية، فنحن لا نشتاق إلى الجدران الخرسانية بل نشتاق إلى أنفسنا في ذلك الوقت، إلى بساطة الدهشة وبراءة المشاعر.. فالبيوت قد تهدم، والناس قد يرحلون، لكن الأماكن المكتوبة بصدق في القصص والروايات تظل عصية على النسيان، وتمنح أصحابها خلودا من نوع آخر.

مطلع الأسبوع الجاري، كنت أشيع «عمتي رَوْحِيّة» إلى الدار الآخرة، غادرت القاهرة في الصباح الباكر على أمل زيارتها في المستشفى لكنَّ أمرَ الله سبق أملي، وكان صعود الروح إلى الرفيق الأعلى أسرع من سيارة الميكروباص.
القرية التي ولدت فيها، تتبدل ملامحها يوما بعد يوم، الزحف العمراني والكتل الإسمنتية الصماء تقتل فينا كل يوم ذكريات حية وتغتال وجوها ألفناها، لتتركنا غرباء في أوطان طفولتنا.

إن هذا التغيير المتسارع في ملامح الأرض والناس ليس مجرد انتقال في خط الزمن بل هو جرح غائر في الوعي، ومأساة صامتة تمر عادية أمام عيون العابرين، لكنها تقع كالصاعقة على قلوب الأدباء والمبدعين.
 الناس في غمرتهم يركضون خلف بريق الحداثة، يرون في الكتل الخرسانية دليلا على الرخاء وفي اتساع الطرقات علامة على المجد، أما الأديب فيرى في كل جدار إسمنتي يقام شاهدا يرتفع فوق قبر حكاية قديمة.
الأدباء الذين عجنوا بماء الحبر ودموع الحنين، يملكون –بلا شك- أرواحا شفيفة تتألم لخدش يصيب جدارا عتيقا، فكيف إذا دُكَّت معالم الصبا دَكّا، واستُبدلت الألفة ببرود الحجر الأصم.

 إن زحف المدنية الأعمى يمارس ضدّي عملية اغتيال يومية ممنهجة، يقتلع من صدري مع كل شروق «حاجة حلوة» كانت تمنح الحياة معناها، ويسلبني تفاصيل دقيقة ليصهرني في قالب التكرار والآلية والجمود.

في الطريق إلى المقابر.. وجدت الأرض غير الأرض والطرقات التي ألفتُها وشَهِدَت لهوي البرئ وطُهرَ طفولتي.. مقابر «سيدي عمر» و«كوم موسى» لم تعد تلك اللحود الطينية التي ترفق بساكنيها، حين كان الموت يرتدي ثوب الوقار الممتزج بالطبيعة، كانت المقابر هناك تبنى بنظام اللحد الدافئ، حيث يوارَى الإنسان في حضن الأرض البكر، كأنه يعود إلى رحم أمه دون حواجز تفصله عن ترابها الذي خرج منه، كانت تلك المقابر جزءًا من جغرافيا الروح تنمو على حوافها «الخريزة» و«البرنوف» وتفوح منها رائحة الطمأنينة والخشوع والمصير المحتوم الذي لا زيف فيه، أما اليوم، فقد امتدت يد المدينة الجافة إلى تلك البقاع المقدسة، فتحولت إلى مقابر خرسانية باردة، كتل من الإسمنت المسلح تتراص في جفاء، كأنها مجمعات سكنية ميتة تخلو من الرحمة والعمق الأدبي، غاب اللحد الذي يلامس الطين ليحل بدلًا منه صقيع الحجر وضيق الأفق، ليصبح حتى الموت في عصرنا مشوها ومحاصرا بجمود المدنية الحديثة.

تلك البيوت التي غادرناها لم تكن مجرد جدران وأسقف بل كانت كائنات حية تتنفس معنا، بيوت بنيت بالطوب النيء الذي يحفظ رطوبة الأرض وحنانها، وتفوح من جنباتها أبخرة «حِلَلْ» جدتي المصحوبة برائحة دخان الكانون «الذكية» تتصعد في طبقات متتابعة نحو السماء كأنها صلاة دافئة خرجت من قلوب الصابرات المثابرات من أمهاتنا وجدّاتنا.
 في تلك الأيام، كان الصباح يبدأ بمعزوفة فطرية تشارك فيها الطبيعة كلها، حيث يتردد في الأفق صوت «الوز» في ترعة «ميت يزيد» حين يسبح في مياهها الرقراقة، ممتزجا بحفيف أوراق الصفصاف ونسمات الفجر العليلة.
كانت الترعة شريان الحياة للقرية، مرآة تعكس صفاء النفوس وبساطة العيش.. كانت جدتي تحمل إبريقها كل يومٍ وتنزل دَرجًا صغيرًا يسمونه «المُورْدَة» حتى تصل إلى حافة الماء، وترفض أن يساعدها كائن مَن كان في ملء الإبريق حرصًا منها على طهارة الماء الذي خصصته لوضوئها.
الصبايا كنّ يخرجن بجلابيبهِن البسيطة المزكرشة في طوابير كأنهن فراشاتٍ إلى الترعة يحملن فوق رؤوسهن الجِرار الفخارية، يملأنها بالماءالذي كنا نشربه عذبًا زلالًا دون أي معالجاتٍ كيميائية اللهم إلّا من إذابة بضع حصوات من «الشَبّة»، قبل أن نعرف الصنابير وماء الحنفية.
 اختفت الآن هذه اللوحة البديعة، لتحل محلّها هلاوس بصرية ومظاهر مدنية خدّاعة.

في طريق العودة من المقابر، آثرت أن أمضي وحيدًا من طريق مغايرة، أقفز الجسور وأجول بناظري بين الحقول محاولًا العثور على بهجة الماضي، دون جدوى.. ويلحّ عليّ السؤال: لماذا تسكننا الأماكن التي غادرناها وتأبى أن تفارقنا.. فتأتيني الإجابة: لأنها ليست حيزا جغرافيا بل هي قطف من أعمارنا تشكلت فيه هويتنا الأولى.
 الأديب حين يكتب عن تلك المعالم البائدة لا يمارس ترفا فكريا، بل يخوض معركة وجودية ضد النسيان، وضد هذا التشويه البصري والنفسي الذي تجلبه المدنية.
إننا نرى في تبدل ملامح الوجوه وجفاء المعاملات أثرا مباشرا لتبدل ملامح الأرض، فالإنسان ابن بيئته وحين يفقد الطين والشجر والكانون وزقزقات العصافير، يفقد معها جزءا من إنسانيته ورقته ويتحول تدريجيا إلى كائن خرساني يشبه الشوارع الباردة التي يسير عليها.
لم أعد أرى سوى قُبح منظّم، أكاد أصرخ من أعماقي حزنا على آخر المعاقل الجميلة في روحي التي طحنتها تروس المدنية وتجعلني مجرد رقم بلا ذاكرة في مدينة بلا قلب.

About The Author