30 أغسطس، 2026

د. علاء جاويش يكتب عن رواية «الكلاف»: (4-4) سيميائية الشخصية الروائية

0
علاف رواية الكلاف - ابو المجد البحيري - ادباتية - علاء جاويش يكتب

أدباتية: يقول جيرار بينيت:” إن أساس الرواية الجيدة هو خلق الشخصيات ولا شئ سوي ذلك، إن للأسلوب وزنه، وللحبكة وزنها، وللنظرة الجادة وزنها، ولكن ليس لشيء من كل هذا وزن بجانب كون الشخصيات مقنعة، فإذا ما كنت الشخصيات مقنعة فسيكون أمام الرواية فرصة للنجاح، أما إذا  لم تكن كذلك، فسيكون النسيان نصيبها([1]).

   وقد تطورت الشخصية مع تطور الرواية “واتخذت الشخصية، فيما بعد، كثافة نفسية؛ وأصبحت من ثم فردًا وشخصًا؛ باختصار لقد أصبحت كائنًا متكونًا تكونًا كاملاً حتى وإن كانت لا تقوم بأي عمل من الأعمال؛ وكذلك أيضًا من قبل أن تتصرف أي تصرف” ([2])

   والشخصية الروائية ” تتعدد بتعدد الأهواء والمذاهب – والإيديولوجيات والثقافات والحضارات والهواجس والطبائع البشرية التي ليس لتنوعها ولا لاختلافها من حدود([3]).

  وحين نقرر دراسة الشخصية في رواية الكلاَّف نجد أننا أمام حشد ضخم من الشخصيات، حشد من شخصيات ذوي مكانة متنوعة، فلدينا عدد من الشخصيات النسائية، تمثلت في:

– نبوية والدة زناتي التي تزوجت العمدة سراً بعقد عرفي، وكانت عشيقة ابن عمه شيخ البلد.

– ولدينا زوجة العمدة المتسلطة سمية هانم.

– عدلات ابنة شيخ البلد التي عزفت عن الزواج حتى تتزوج طياراً فظلت دون زواج.

– سنية أمها.

– انشراح زوجة عزيز ابن شيخ البلد، وزوجة زناتي ابنة الحاج مبارك. وغيرهن.

أما من الرجال فنحن أمام عدد غفير منهم، ولكن أهمهم هم:

–  العمدة رزيقة أبو سليمان.

– شيخ البلد بسيوني أبو سليمان.

– زناتي.

– أخواه وحيد وهارون.

– الحاج مبارك الذي وقف جانبه في محنته.

– جماعة الكفر والمصطبة.

– نفادي غفير العمدة.

– العمدة بدير. والمأمور والحكمدار ومدير المديرية(المحافظ) والمخدماتي وغيرهم الكثير.

ونحن في هذا التحليل نقف أمام شخصية زناتي فقط؛ لكونه الشخصية المحورية الذي أخذ عنوان الرواية ويدور السرد كله حوله، ولم تنتهِ أحداث الرواية إلا بموته، يصفه الكاتب قائلاً:” زناتي شخص متمرد عنيد بطبعه، لا يحب الأغنياء بسبب ما تولد لديه من مشاعر كراهية تجاه العمدة، جراء قسوته وإهانته الدائمة له، فهو يرى أنهم استحوذوا على الثروات بدون وجه حق أو عدالة، حتى لو كانت قد آلت إليهم عن طريق الميراث.”([4])

   ثم مع توافر المال معه وصفه الكاتب قائلاً:” تغير زناتي كثيراً من حيث الهيئة والمنطق، فقد أثرت في شخصيته مكونات الحياة الجديدة، مثل تعامله مع أناس مختلفين عمَّن تعامل معهم في كفر أبو سليمان، كذلك تردده على الأسواق مما زاده حنكة ومهارة، فأصبح يدرك محيطه ويعيه كما لم يسبق من قبل، وكأنما استُبدِلَ بشخص آخر، لكن تبقى الذكريات المؤلمة محفورة بداخله لا يعتريها التغيير.”([5])

  هذا الوصف مُبالغ فيه، أو على الأقل غير مقنع في أسباب تغيير زناتي، فالصفات التي تتكون في بداية الحياة يصعب بل يستحيل تغييرها بهذا الشكل، ولذا قيل إن الطبع جبل، وإن الطبع يخرج بعد خروج الروح من الجسد.

ولكننا نجده قليل الأصل، ويتضح ذلك من حوار الحاج مبارك معه إذ يقول له:” مبروك يا زناتي يا بني، ولو انَّ واخد على خاطري منك ومن أمك، ولا بتسألوا ولا كأن كان بينا عيش وملح، لكن أقول ايه، قلبي ما طاوعنيش اعمل زيكم واجافيكم، وأول ما علمت بالخبر جيت طوالي عشان أبشركم.”([6])

ثم نرى له موقفاً مغايراً لصفاته التي ذكرها الكاتب في أول الرواية، حيث تنازل عن ميراثه من والده العمدة رزيقة وكذا تنازلت أمه عن ميراثها إكراماً لاخوته( الرواية صـ 201) وهذا غير مبرر فنياً في الراوية، بل جمعهم معه تحت كنفه، وكان ميراثه شيئا لا يمكن لتجارته أن تتعالى عليه، وهذه نقطة جوهرية في الرواية وفي البناء الفني فيها، فزناتي لم يجد كنزاً، وبيع منتجات الألبان في عدة سنوات لا يدر هذه الثروة التي جمعها.

وعندما أراد الزواج من عدلات بنت بسيوني أبو سليمان وقفت أمه ضد هذه الزيجة، يقول الكاتب:” تعلم يقيناً أن زناتي هو ابن بسيوني وليس ابن رزيقة!. لذلك وقفت في وجهه حين أراد الزواج من عدلات ابنة بسيوني، والتي هي في الحقيقة أخته صلباً وليس من الرضاعة، لكنها لا تستطيع البوح بذلك.”([7])

ثم مات زناتي وقد أصبح عمدة ثم تنازل عنها، وصار نائباً في مجلس لأمة، ثم مات، هذه هي الشخصية الوحيدة في الرواية التي تحولت وتغيرت من حال إلى حال آخر بسبب المال، فقد كان يكره الأغنياء لسوء معاملتهم للفقراء، فلما صار عنياً تودد للفقراء وعطف عليهم وأغدق عليهم من ماله، ولم يطمع فيما ليس له، حتى ميراثه من العمدة تنازل عنه لاخوته وحيد وهارون.

  لكن عزوفه عن الزواج حتى سن  متأخرة غير مبرر فنياً، خاصة أن والده سواء كان بسيوني أو رزيقة كلاهما رجل يحب النساء سواء في الحلال أو غيره، وكذا والدته تزوجت ثلاثة رجال: أبو شوشة ورزيقة وموظف السكة الحديد، فكيف به يعزف عن الزواج وقد تيسرت أموره المالية وصار ذا ثروة وجاه ومركز مرموق.

    تنقسم اللغة بشكل عام داخل الرواية إلي: “لغة السرد ولغة مونولوج، ولغة ديالوج، وينتج عن هذا التقسيم ظهور ثلاثة مستويات للجملة :تفسيري وانفعالي وإبلاغي. فالجملة في لغة السرد تعتمد أساسًا علي المستوى التفسيري، بينما تعتمد الجملة في لغة المونولوج على المستوي الانفعالي، وعندما تنتقل الجملة  إلي  لغة  الديالوج، فإنها تعتمد المستوى الإبلاغي.([8])

  وتأسيساً على هذا التقسيم في اللغة داخل الرواية يُقصد به تأثير اللغة، وكيفية إخراجها إلي حيز التلقي بوضعها في السياق الروائي، فهي إما لغة سردية يقوم بها السارد بهدفٍ تفسيريٍ للأحداث، أو تنفعل الشخصية مع ذاتها أو الأحداث فتتحاور منتجةً هذا المونولوج، أو تتصل داخل العمل السردي بشخصية أخرى فتنتج الحوار فيكون عملها حين إذن هو الإبلاغ واللغة داخل الرواية بكل حال من الأحوال لا تتخذ نمطاً رابعاً.

  وقد اعتمد الكاتب على نوعين من اللغة: لغة السرد ولغة الحوار، ولم يعتمد له المونولوج كثيراً، وجعل لغة السرد فصحى، ولغة الحوار عامية تتناسب مع مستوى ثقافة الشخصيات داخل الرواية، ومستوى الاجتماعي والثقافي.

  وقد اجتهد الكاتب لجعل لغة الشخصيات لغة واقعية، دون وضع لمسة تجميلية أو تحضر للشخصيات داخل الراوية.

ومكان الرواية هو قرية من قرى مدينة المنصورة كما صرَّح الكاتب في الصفحة السطر الأول للرواية قائلاً:”في منزل بسيوني أبو سليمان شيخ بلد كفر أبو سليمان أعيان المنصورة”.([9])

والمعلوم عن قرى المنصورة أنهم أكثر أهل الدلتا تحضراً، وأكثرهم تعليماً، فقد أنشئت جامعة المنصورة عام 1962م كسادس جامعة في مصر، وهذه الجامعة هي قاطرة البناء المعرفي لأهالي المحافظة وقراها.

كما أن أهل المنصورة بشكل عام لهم لغة مميزة، وهي لغة راقية قياساً بلغة أهل الدلتا من المحافظات المجاورة.

ورغم ذلك فإن جميع الحوارات في الرواية لا تعكس هذه الثقافة العالية، فقد أراد الكاتب أن يؤكد أن الناس مازالوا دون الحد الأدنى من التعليم، ولم نسمع عن التعليم في الرواية إلا عندما آلت لزناتي الوصاية على إخوته وحيد وهارون فقال الكاتب:”أنهى زناتي إجراءات نقل الوصاية الخاصة بإخوته القُصَّر إليه، نقلهم للإقامة معه في البناية التي شيَّدها، أحضر لهم أفضل المربيات والمعلمين واهتم بتلقيهم التعليم في مدارس المدينة.”([10])

ويقول في موضع آخر:” ما ذاقه من حرمان من التعليم عوَّضه في إخوته، حافظ لهم على مستواهم المعيشي من ارتداء أفخر الثياب وأبهى الحُلل، أتموا تعليمهم الجامعي.”([11])

ما عدا هذين الأخوين لا يوجد حديث عن تعليم في القرية، فشيخ البلد لم يسع لتعليم أولاده والارتقاء بهم، إلا أن عدلات بنت شيخ البلد صممت ألا تتزوج إلا طيار، ولما لم تجد ظلت بلا زواج، وكان هذا شيئاً غريباً على فتاة في قرية لا يوجد مستوى تعليمي عالي أن تتعلق فتاة بالزواج من صاحب وظيفة غير موجودة بسهولة.

  وبقي الحوار على مستويات عدة، فمستوى حديث الشخصيات مع بعضها، ومستوى المصطبة في القرية حيث تتناقل الأخبار في الكفر، ومستوى الموظفين الكبار، مثل المأمور والحكمدار ومدير المديرية، ومن حديث المأمور لشيخ البلد هذا الحوار:” – آديك شُفت وسمعت يا شيخ البلد أهو قُدامك. أنا والله ما ليا دخل بشغل العك ده، أنا عن نفسي كُنت هزكيك للعمودية، وآخر كلام ما بينّا كنت قايلَّك كده.”([12])

وهذا حوار آخر بين الغفير نفادي وسمية هانم زوج العمدة رزيقة:”- مين اللي سلمك الورقه دي، آه قولتلي باشمحضر المحكمه، وراح فين دلوقت؟

– معرفش يا جناب الست البيه العمده الهانم، أننا من غير مؤاخذه بصمتله بختمي الحديد وهو كان عاوز يمشي، بس مش عارف مشي واللا لسه

* انزل ناديهولي وهاتُه من تحت طقايق الأرض لو كان مشي.”([13])

  وكما نرى فإن مستوى الحوار يعكس طبيعة مستوى الشخصيات التعليمية والحالة العامة التي كانت فيها البلاد، فاللغة فيها شيء من العنف والقسوة والشدة، فالناس التي تتعلم تلين عريكتها وتلين لغتها بعض الشيء عما رصده الكاتب في روايته.

أما لغة السرد فقد حرص الكاتب ان تكون متباينة عن لغة الحوار، ومن أمثلة لغة السرد قول المؤلف:” اعتادت أقدامها على المدينة، تبيع بضاعتها عن آخرها في وقت قصير ثم تعود أدراجها، أعطت ولدها قروشاً عوِضاً عن الخبر الجاف وأكواز الذرة، والتي كانت تتحصل عليها من أهل القرية. جَدَّ في زراعته ونوَّع في أصنافها، سألها نفر من زبائنها عن اللبن الطازج، فطلبت من الحاج مبارك أن يبيعها لبن إحدى بقراته، والذي رفض معتبراُ ذلك فألاً ليس بالحسن، فلم يسبق لأحد أن باع اللبن، أقنعته ثم حملت لبن بقرته للمدينة!.”([14])

والكاتب كما نرى يجتهد أن يختصر في السرد قدر المستطاع، فنحن أمام جملة أو جملتين تختصران أحداثاً تستغرق وقتاً طويلاً. فالرجل رفض بيع اللبن، لكنها أقنعته، لم يخبرنا كيف استطاعت تغيير معتقداته في بيع اللبن بهذه السهولة.

  على أن اللغة سهلة يسيرة، قريبة الفهم للمتلقي الخارجي، وإن وقعت بها بعض الهنات اللغوية البسيطة، إلا أن الكاتب لم يلجأ للغة القرآنية ولم يستخدم لغة الشعر في السرد ولا الأمثال الشعبية.

بعد هذه الجولة السريعة في رواية الكلَّاف نستطيع أن نقف على النقاط الآتية:

  • استطاع الكاتب أبو المجد البحيري أن يمزج بين العمل الشرطي والكتابة الإبداعية، سواء شعراً أو نثراً قصصياً أو روائياً، وأصدر أكثر من عشرة إصدارات، جاءت في التمهيد.

  • جاء الغلاف معبراً عن مضمون الرواية، ومتناسقاً مع العنوان الذي جاء من كلمة واحدة هي جزء من جملة اسمية محذوف أحد طرفيها.

  • استطاع أبو المجد البحيري في رواية الكلاَّف أن يدمج التاريخ في الحاضر، وذلك باتخاذه ذاته نفسها وسيطاً بين الماضي والمستقبل، من خلال الإهداء الذي جعله للأحفاد الذي لم يروا هذه الأحداث ولم يعاصروا هذه القضايا التي تحدثت عنها الرواية بوصفها جزءاً أصيلاً من التاريخ المصري.

  • مضمون الرواية تناسق مع العنوان والغلاف، وهو يروي قصة كفاح الفلاح المصري المعدم الذي لا يمتلك شيئاً وقد انحازت إليه ثورة 23 يوليو ومنحته خمسة أفدنة كاملة جعلته من المُلاك، مما جعله يتغير سلوكياً تجاه الملاك القدامى.

  • رصدت الرواية العلاقة المتغيرة بين المُلاك القدامى والجدد، وما بينهما من إحن وضغائن في النفوس لم تمحها الأيام.

  • رصدت الرواية التغيرات الاجتماعية لشخصية البطل بتغير موقفه المالي والمادي وكيف أنه لم يتعامل كما تعامل الأغنياء، بل كان عطوفاً على الجميع ولم يتنكر للفقراء بل ظل بينهم يحدب عليهم ويعطف على الضعيف منهم.

  • كثرت الشخصيات داخل الرواية، مما جعلها مشحونة بالأحداث والقضايا الخلافية، وأظهرت الرواية قضايا الصراع الإنساني داخل الرواية سواء على المكانة أو نيل الرغبات والشهوات كما كان من العمدة رزيقة الذي أحبَّ الخادمة نبوية، ولكنه لم يستطع أن يتزوجها لمكانتها الاجتماعية المتدنية.

  • كشف الرواية عن زمان الأحداث عقب ثورة يوليو مباشرة، وأثرها في القرى والمدن في مصر، ولم يُظهر الكاتب آثارها على الجوانب الأخرى سوى الزراعة وتوزيع الأراضي، وأمل بقية الجوانب السياسية والاجتماعية والثقافية وغيرها.

  • جاء لغة السرد عند مستوى اللغة الفصحى، ومستوى الحوار عند اللغة العامية، وقد شابَّ الرواية بعض الهنات اللغوية البسيطة، إلا أن اللغة سهلة تبتعد عن اللغة المعجمية التي لا يعلمها سوى المثقفين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *