30 أغسطس، 2026

رانيه متولي بلاط يكتب: ثنائية الاغتراب والحنين في ديوان «تداعى أنا الإنسان» للشاعر أحمد جنيدو

0
الشاعر رانيه متولي بلاط

أدباتية: يمثل ديوان «تداعى أنا الإنسان» للشاعر أحمد جنيدو الصادر رحلة شعورية وفكرية عميقة في سيمياء الذات والوجود، حيث يستغرق الشاعر من خلاله في أسئلة القلق الإنساني والاغتراب والوجع الممتد عبر الجغرافيا العربية، متخذًا من الحرف مرآةً تنعكس عليها مآسي الإنسان المعاصر وتناقضاته.
يتسم إبداع أحمد جنيدو، هنا في هذا الديوان، بقدرة فائقة على مزج الذاتي بالموضوعي، حيث تتحول الذات الشاعرة إلى بؤرة تتجمع فيها آلام الأمة ومخاضاتها، ويبرز بوضوح التوتر المستمر بين الحلم والواقع، وبين الخذلان الجماعي والتشبث ببارقات الأمل النادرة، كما يعتمد الشاعر لغةً تصويرية كثيفة تتكئ على الرمز التاريخي والموروث التنزيلي كقصص الأنبياء، وقابيل وهابيل والطفل ريان، لتأطير المأساة المعاصرة ضمن سياق أعمق وأشمل .
تتخذ قصائد الديوان من ثنائيات المنفى والوطن، والاغتراب والحنين تيمات مركزية، فالمكان ضيق والأزمنة محملة بالخيبات، غير أن الحنين يظل يشكل بوصلة خفية تحرك لغة الشاعر، فيظهر الشام والعراق وفلسطين كجراح حية تنزف في متن القصائد، لتصوغ ملحمة وجدانية تعبر عن إنسان يصارع العدم والفناء بحثًا عن جوهر الحقيقة.
وتتجسد عبقرية التعبير في العديد من الشواهد التي تقطر شجنا وفلسفة، ومنها قوله في مطلع قصيدة «تداعى أنا الإنسان»:
«تَدَاعى أنا الإِنسَانُ
نجوتُ بأَطنابِ التَّوَجُعِ عَاقِرا
خصوبةُ أَحلامٍ تَناهتُ خَسائر.
وَرَكتُ كَأَنِّي فارسٌ مُتَرَجَّلٌ،
تَتَوهُ هُبوبُ الحَرب أغزو الدوائرَ».
وفي تعبيره النابض بالوجع القومي والإنساني في قصيدة «لا تبكوا ريان»، يصرخ الشاعر بالكلمات الحية: «في ظُلمةِ البِئرِ مَاتَ الطِّفْلُ رَيَّانُ/ وفي مُخَيَّمِنا المَولُودُ حَسَّانُ/ في بحر هجرتهم ماتَ الصَّغِيرُ سُدى/ والمَوتُ يسخر فالأمواتُ أُوطان..».
كما يبرز التأمل الوجودي والعمق الروحي في قصيدة «بين الذات ومعناها»، حيث يقول: «أنا الحَاضِرُ المُلقى على جذع فكرة/ تَهزُّ وريقات الخيالِ المَخَاوِفُ/ وأغزلُ أَبعاد الصَّدَى بِأَصَابِع/ يُصَرُّ على وَقِعِ التَّرَدُّدِ وَاصِفٌ».
«تداعى أنا الإنسان»،  إضافة نوعية – بلا شك-  للمكتبة الشعرية العربية، إذ يقدم شهادة إبداعية صادقة على العصر، مانحا الألم الإنساني صوتا بليغا يتردد صداه بين دفتي كتاب جدير بالقراءة والاحتفاء النقدي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *