2026-06-20

رشاد محمد يوسف.. شاعر الأزهر وحارس الحرف الأصيل

في شمال الدلتا النابض بالخضرة والأسرار، وُلد الشاعر رشاد محمد يوسف عام 1933م، بقرية كفر المشارقة التابعة لمركز سيدي سالم بمحافظة كفر الشيخ. لم يكن ميلاده مجرد رقم في سجلات المواليد، بل كان ميلادًا لعينٍ ترصد، وقلبٍ ينبض بالعروبة واليقين.

أدباتية- أحمد زكي شحاتة: في شمال الدلتا النابض بالخضرة والأسرار، وُلد الشاعر رشاد محمد يوسف عام 1933م، بقرية كفر المشارقة التابعة لمركز سيدي سالم بمحافظة كفر الشيخ.
 لم يكن ميلاده مجرد رقم في السجلات، بل كان ميلادًا لعينٍ ترصد، وقلبٍ ينبض بالعروبة واليقين.
 في تلك البقعة الهادئة، استقبل الصبي وعاء المعرفة الأول فكان «كُتّاب القرية» صومعته المقدسة التي صقلت لسانه، وحفظ فيها القرآن الكريم، هذا الحفظ لم يكن مجرد استظهار لآي الذكر الحكيم، بل كان المعمار اللغوي والموسيقي الذي شيد عليه رشاد يوسف قصيدته الفصحى لاحقًا، ما منحه قلبًا روحانيًا رافقه طيلة حياته.

رشاد يوسف.. بين أروقة القانون وصخب الوظيفة

لم تكن دروب الحياة مفروشة بالورود أمام شابٍ يحمل في جوفه ثورة الكلمة، فبعد حصوله على الشهادة الثانوية عام 1957م، يمم وجهه شطر كلية الحقوق، رغبةً في فهم موازين العدالة ومقادير القوانين، غير أن وطأة الواقع وضغوط الحياة دفعتاه لإيثار «الوظيفة الأميرية» باكرًا ليعيل طموحه.

لكن الشاعر الذي يسكنه لم يرضَ بنصف رواء، فبينما كان يؤدي واجبه موظفًا كادحًا في منطقة تليفونات شرق القاهرة، كان يسرق من ليل الغربة والعمل ساعاتٍ ليواصل جهاده الأكاديمي، حتى تكلل صبره بالحصول على شهادة الليسانس في الحقوق عام 1967م.
هذا المزيج النادر بين انضباط القانوني وعاطفة الشاعر تجلى في تدرجه الوظيفي بالهيئة القومية للاتصالات، حيث صعد السلم الإداري بجداره ونزاهة، حتى استوى على قمة العطاء الإداري رئيسًا لقطاع الشؤون المالية والإدارية بقطاع شرق القاهرة، بدرجة وكيل وزارة.

مسيرة نضالية للشاعر رشاد يوسف.. القضبان التي لم تحبس الروح

لم يكن رشاد محمد يوسف شاعرًا برجوازيًا يكتب من خلف المكاتب الفارهة، بل كان صوتًا هادرًا يلتحم بقضايا الأمة، في أواخر الحقبة الملكية، كانت قصائده الحماسية وآراؤه السياسية المنحازة للبسطاء بمثابة شرارات تُقلق مضاجع السلطة، مما قاده إلى خلف القضبان والمعتقلات.

لم تنجح عتمة الزنازين في إثنائه عن مواقفه الشجاعة، وظل صوته وفيًا للفلاح المصري الكادح، ومساندًا لثورة الشعب وآماله في الحرية والعدالة الاجتماعية.

رشاد يوسف.. سادن الثقافة وأيقونة الجماعات الأدبية

تنقل رشاد يوسف في الفضاء الثقافي العربي كالفراشة التي تبث الضياء أينما حلت، ولم يكن مجرد عضو عابر، بل كان ركيزة أساسية في مؤسسات أدبية كبرى.
أشرف بحكمة واقتدار على صفحة الشعر والشعراء بمجلة الأزهر، فكان حارسًا لجمال الكلمة/ كما ترأس جمعية الأدب والفكر المعاصر، وشارك بفاعلية في رابطة شعراء العروبة، وجمعية العقاد الأدبية، وتولى منصب نائب رئيس رابطة الزجالين، فضلاً عن عطائه في نادي القصيد وجمعية أبوللو الجديدة.، بالإضافة غلى اضطلاعه برئاسة جميعية أبناء محافظة كفر الشيخ في القاهرة التي أسسها الوزير حافظ بدوي في عام 1969م.

وعلى مدار خمسة عشر عامًا متواصلة، كان رشاد يوسف علامة فارقة وعضوًا فاعلاً في مؤتمر الثقافة الجماهيرية «المؤتمر العام لأدباء مصر» موجهًا ومرشدًا وناصحًا ومدافعًا عن هوية الثقافة المصرية الأصيلة.

تجليات القصيدة عند الشاعر رشاد يوسف.. سحر البيان في عشق الأزهر

تتبدى عبقرية رشاد يوسف الشعرية في قصيدته الغراء التي يمدح فيها الأزهر الشريف، حيث تتحول الكلمات بين يديه إلى محرابٍ من النور والإيمان، يقول فيها:

« الله أكبر لم تزل والمئذنة

ومواكب التوحيد تخطر مؤمنة

 ذو الألف عامٍ لا يزالُ شبابه

وعطاء راحته حديث الألسنة»
في هذه الأبيات، ينسج الشاعر من بحر الطويل وشاحًا من الفخار للأزهر الشريف، واصفًا إياه بصاحب الشباب الدائم والعطاء الشامخ الذي يصون الشريعة والعروبة.
وتتجلى حكمته التربوية في رؤيته للنشء الذي يصقله الأزهر ليخرج داعية قويًا ينصح الناس بالحسنى واللين:

« يتناول النشء الصغير بحكمةٍ

فينير جوهره ويُصقل معدنه»

الغياب الجسدي والخلود الإبداعي.. رحيل الشاعر رشاد يوسف

في الثامن عشر من يوليو عام 2000م، ترجل الفارس عن صهوة جواده، وغيّب الموت جسد الشاعر العربي الكبير رشاد محمد يوسف بعد رحلة حافلة بالبذل والكفاح، لكن بقيت روحه في قصائده التي قررتها وزارة التربية والنعليم لدة سنوات على طلاب المرحليتن الإعدادية والثانوية.
رحل وكيل الوزارة، ورحل السجين السياسي، ورحل الموظف الكادح، لكن الشاعر لم يرحل ولن يرحل، بقيت روحه ترفرف في ثنايا قصائده، ممتدة كأغصان كرمٍ تظلل ساحات الفكر والأدب، تذكر الدنيا دائمًا بأن شعاع الهدى ونغم المئذنة لن يخبو أثرهما ما دام في أمتنا حرفٌ نابض ومعدنٌ أصيل كمعدن رشاد يوسف.

About The Author