2026-06-20

رانيه متولي بلاط يكتب عن «حمدان حلمي»: مريد في حضرة الشعر البهي

رانيه-متولي-بلاط-يكتب-عن-حمدان-حلمي-مريد-في-حضرة-الشعر-البهي-

أدباتية: هناك لحظات في الحياة تظل محفورة في الذاكرة، لا بفعل ضجيجها، بل بما تحمله من دهشة صامتة تلامس الروح.. بالنسبة لي، كانت هذه اللحظة عندما وقعت عيني لأول مرة على قصيدة نشرها الشاعر المتصوف حمدان حلمي على صفحته في «فيسبوك»، لم أكن أعرفه قبل ذلك، ولم أكن أتوقع أن نصًا واحدًا قادر على أن يفتح أمامي نافذة على عالم آخر، مليء بالنور، ومشبّع بصفاء الروح وعمق الكلمة.
قرأتها مرة، ثم عدت إليها مرات، وفي كل قراءة كنت أشعر أنني أكتشف شيئًا جديدًا، كما لو أن الكلمات نبع لا ينضب، لم أتمالك نفسي من التواصل معه، فبعثت له برسالة قصيرة، حيّيته فيها على مستواه الإبداعي المختلف، وصدق إحساسه، وعمق رؤيته، ربما لم أكن أدرك حينها أن تلك الخطوة الصغيرة ستقودني إلى علاقة إنسانية وأدبية ستظل واحدة من أثمن ما مرّ في حياتي.
بعد حوار قصير، شعرت أنني أمام إنسان نادر، شاعر يمتلك موهبة حقيقية ووعيًا روحيًا متجاوزًا، لكن تغلفه البساطة حتى يكاد يخفي عن الآخرين حجم عبقريته، لم يكن يسعى إلى الشهرة، ولم يكن يلهث وراء الأضواء، بل كان مخلصًا تمامًا للكلمة، مؤمنًا بقدرتها على الخلق والتغيير.
حين أطلعني على مخطوطة ديوانه، شعرت أنني أمام نصوص لا يجوز لها أن تبقى حبيسة الأدراج، من هنا، قررت أن تتكفل دار البيدع العربي بطباعته على نفقتها الخاصة، لم يكن الأمر صفقة تجارية، بل كان التزامًا شخصيًا مني تجاه إبداع يستحق أن يصل إلى الناس.

وُلد حمدان حلمي في الحادي عشر من سبتمبر عام 1974، في قرية صغيرة تابعة لمركز ومدينة كفر الشيخ، جاء إلى الدنيا في أسرة مصرية بسيطة، لأب فلاح وأم فلاحة، وعاش طفولته في أجواء الريف، بين الحقول ورائحة الأرض المبتلة بالمطر، كان ترتيبه السابع بين ثمانية أبناء، أربعة أولاد وأربع بنات، ما جعل منه شاهدًا على حياة عائلية متشابكة بالحب والمسؤولية.

رحل والده وهو في سن العاشرة تقريبًا، عن عمر لم يتجاوز الرابعة والأربعين، تركت هذه الخسارة المبكرة أثرًا عميقًا في نفسه، لكنه وجد في أمه نموذجًا للصبر والقوة، ثم رحلت تاركة وراءها إرثًا من القيم والصلابة، دائما ما يصفها حمدان بأنها التي علمته «كيف يستنهض النبض ويستحضر الرؤى سنابل قمحٍ وأشعارًا خضراء».

أنهى حمدان دراسته في دبلوم الدراسة الفنية ذات  السنوات الخمس، تخصص الهندسة الكهربية – قسم محطات توليد الطاقة، على الرغم من هذا التوجه العلمي والمهني، ظل قلبه معلقًا بالكلمة، يكتب الشعر كما يتنفس، لم تمنعه مسؤوليات العمل والأسرة من أن يخصّص وقتًا لتغذية روحه بالقراءة والكتابة والتأمل.

هو متزوج وأب لأربعة أبناء “زينب وأحمد ويوسف وطلحة”، يصف الأبوة بأنها مدرسة أخرى علّمته الصبر، والإحساس بالزمن، وأهمية أن تترك في هذا العالم أثرًا جميلاً.

على الرغم من أنني أراه شاعرًا فريدًا، إلا أن حمدان يتعامل مع تجربته الشعرية بتواضع شديد، ويقول عن دواوينه: «ما هي إلا محاولات لا أكثر، فأين أنا ممن خلدتهم أشعارهم رغم الأسى والتهميش».

صدر له: «عصفور على حدود المطر»، و«وجهٌ يُغازله الصراط»، و«مغتسل الرحيل»، لكل ديوان منها نكهته الخاصة، لكن ما يجمع بينها هو الحس الصوفي العميق، واستحضار صور الطبيعة كرموز للحياة والموت والحب والفناء.

ما يميز حمدان حقًا هو الجمع بين البساطة والعمق، حين تتحدث معه، تشعر أنك أمام رجل ريفي بسيط، صادق في مشاعره، بعيد عن التصنع. لكنه حين يكتب، يتحول إلى حكيم، أو إلى صوفي ينسج المعاني كما ينسج الفلاح خيوط السنبلة.

في قصائده، يبحث دائما عن جوهر التجربة الإنسانية، قد يكتب عن المطر، أو عن أمه، أو عن الحب، لكنك تجد في نصه دائمًا طبقة أعمق، إشارة إلى معنى كوني، أو حكمة مكتنزة.

معرفتي بحمدان لم تكن مجرد لقاء مع شاعر موهوب، بل كانت فرصة لاكتشاف إنسان يعيش الشعر كما يتنفس.

لم يكن يتحدث عن الكتابة كعمل منفصل عن الحياة، بل كجزء منها، كطريقة لفهم العالم والتصالح معه.

لقد علمني أن الكلمة الحقيقية تولد من الصدق، وأن الشعر ليس ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة روحية، وحين أرى اليوم دواوينه على أرفف المكتبات، أشعر بالفخر أنني كنت جزءًا صغيرًا من رحلته، وأتمنى أن يلقى التقدير الذي يستحقه.

ربما لا يعرف الكثيرون اسم حمدان حلمي بعد، وربما يظن البعض أن صوته سيضيع وسط ضجيج العالم، لكنني على يقين أن من يقرأ له مرة لن ينساه أبدًا، لأن الشعراء الحقيقيين لا يقاسون بعدد نسخ كتبهم المباعة، بل بعدد الأرواح التي لمسوا قلوبها.

وحمدان، بالنسبة لي، هو ذلك النوع النادر من الشعراء الذين يكتبون كما يصلّون، بصفاء النية وحرارة القلب، أدعوه دائمًا أن يواصل، وأدعو القراء أن يمنحوا أنفسهم فرصة للاقتراب من عالمه، لعلهم يجدون فيه ما وجدته أنا: «شاعر عبقري في ثوب بسيط، وصوفي يمشي بيننا، يزرع الحقول بالكلمات الخضراء».

About The Author