2026-06-20

أحمد زكي شحاتة يكتب: «الإنتروبيا الرقمية» بين «ببغاوات الإحصاء» و«الذكاء التوليفي»

أحمد زكي شحاتة يكتب: «الإنتروبيا الرقمية» بين «ببغاوات الإحصاء» و«الذكاء التوليفي» - أدباتية

أدباتية- أحمد زكي شحاتة: بينما أشاهد –ربما للمرة المئة- فيلم «جعلتني مجرمًا» استوقفتني عبارة الفنان أحمد حلمي «رشدي سرحان أباظة» التي ينصح من خلالها الراحل الكبير حسن حسني «رجل الأعمال أدهم الشاذلي»، قائلًا: «كُل نفسك قبل ما حد في السوق ياكلك»، في تبسيط عبقري للمبدأ التسويقي المعروف بـ «التدمير الذاتي المنظم» أو «Cannibalization».
 يعني أن تقوم الشركة بإطلاق منتج جديد يسحب المبيعات من منتجها القديم الناجح، بدلًا من أن يسبقها المنافسون ويستحوذوا على السوق.
تمضي أحداث الفيلم، بينما أغوص بأفكاري في تفاصيل أخرى حول التطور الهائل الذي يتطلب منّا يقظة يومية للوقوف على كل جديد في تكنولوجيا المعلومات.
في عالم الأمن السيبراني، ثمة قاعدة معروفة تشير إلى أن هناك علاقة عكسية بين العشوائية الرقمية «الإنتروبيا» وبين تأمين الأنظمة الإلكترونية، وأنه كلما زادت عشوائية الأرقام التي يتم توليدها ذاتيًا، كلّما تراجعت احتمالات الاختراق ومحاولات القراصنة لتخمين كلمات السر.
أتذكر عبارة أحمد حلمي مجددًا، وأنا أحاول استيعاب ما تفرضه في كل يوم وسائل التكنولوجيا من جديد، لا سيما في ما يتعلق بـ«الذكاء الاصطناعي» وما ينتج عنه من نماذج توليدية تعيد تخليق القديم على هيئة جديد.
أتصفح الإنترنت –والفيلم لا يزال معروضًا على شاشة التلفاز – فأطالع مقالًا عبقريًا لصديق متواضع الموهبة في الكتابة، أستعرضُ آخِرَ منشوراته -ما قبل المقال- فأجد «الإملاء» في مأزق كبير، أمّا عن «النحو» فلم أجد له محلًا البتّة.. هنا فقط سقط القناع وظهرت الحقيقة عارية، صديقي استعان بالـ ai كمُنتِج أصليٍ للمقال وليس كمساعد –كما يلجأ إليه الكثيرون- ألتقط هاتفي محاولًا الاتصال به لإخباره بأنّ ما نحتفي به اليوم في الفضاء العام ليس عبقريةً ملهمة بل هو «ببغاء إحصائي» شديد البلاغة، آلة جبارة لإكمال أنماط ملفوفة في واجهات مستخدم ملساء وجذابة، يسترق السمع إلى رصيدنا المعرفي فينهل منه ثم يعيد ترتيب البيانات القديمة، ويجري عمليات رياضية للمراهنة على الكلمة التالية.. لكني أتراجع في اللحظة الأخيرة، ولا أتمّ الاتصال.

الذكاء الاصطناعي الذي تتطور نماذجه يومًا بعد يوم لا يُنشيءُ من عدم بل يعيد الجمع والتوليف، ومَن يركز في مقالاتٍ ودراساتٍ نقدية وأبحاثٍ كثيرة كُتبت بهذه التقنية يستشعر رتابة التشابه بين الأدوات.. نفس الخوارزميات وذات القيود والسقف عينه.. عملية واضحة من «الإنتروبيا الرقمية»، يغذي كل نموذج نموذجًا آخر، وندور نحن –كقراء ومتابعين- في حلقة مفرغة من التكرار والمنطق البطيء.

هذه الرتابة شاعت –مؤخرا- في المشهد الأدبي المعاصر فالأدوات الحالية تحاكي الأساليب لكنها تعجز عن ابتكار الروح، إنها تكتب رواية عبر تجميع قصاصات من مئات الروايات السابقة، وتصوغ قصيدة بآلية التنبؤ اللفظي، فيخرج الإنتاج الأدبي باهتًا مكررًا وخاليًا من تلك الشعلة الوجودية التي تميز الإبداع البشري.
الأدب الاصطناعي الحالي ليس سوى «مسودة أولية» تحتاج دائمًا ليد الصائغ البشري لتبث فيها الحياة، لأنه ببساطة لا يملك وعيًا بالسياق، بل يملك مخزنًا من المفردات يعيد خلطها.

صديق لي –لا تعرفونه- ضليع في التقنية، قصم ظهري بمفاجأة، حين أخبرني أن خلف الأبواب المغلقة داخل مختبرات الظل، ثمة فئة أخرى من الذكاء آخذة في التشكل والظهور، شيءٌ أسرع أذكى ومَبنِيٌّ خصيصًا ليعمل ويتحرك دون حاجة إلى إشراف بشري مستمر، يجري تطويره يومًا بعد يوم يُعرِّفُه المتابعون بـ «الذكاء الاصطناعي التوليفي».

صديقي -الذي لا تعرفونه- أكد لي أن الذكاء التوليفي لا يعمل بناءً على استعلامات أو تعليمات ثابتة، بل يولد مسارات تصميم مستقلة، من خلال سلاسل بناء تعيد تكوين نفسها أثناء التنفيذ،  يتجاوز هذا الذكاء مرحلة «المحاكاة الأسلوبية» في سياق الإنتاج الأدبي إلى مرحلة «التخليق الإبداعي».
لا يكتفي بصياغة نصوص متفرقة بل يدمج الحبكة والمنطق النفسي للشخصيات والجماليات اللغوية والروابط الفلسفية في عملية بناء واحدة متطورة ذاتيًا.

صديقي –الذي لا تعرفونه- راح يتفاخر بأن النظام التوليفي هذا، يتكيف مع النزعة الإبداعية والتحولات الفكرية قبل أن تتضح معالمها كاملة في ذهن الكاتب، وبينما لا يزال الذكاء الاصطناعي التقليدي يتخبط في كتابة مسودات أدبية ركيكة تحتاج للتنقيح البشري، يقدم الذكاء التوليفي حقائق مكتملة على هيئة أعمالٍ فكرية وبِنىً معرفية شاملة ومنتجات تشغيلية تخرج مباشرة من رحم الأفكار المحضة، بحسب صديقي الذي لا تعرفونه.

About The Author