30 أغسطس، 2026

السعيد المصري يعود إلى العامية مجددًا بديوان «الحياة محتاجة Var»

0
ديوان الحياة محتاجة فار - الحياة محتاجة var  للشاعر السعيد المصري - أدباتية - أحمد زكي شحاتة أبو جبل

أدباتية – أحمد زكي شحاتة: يعود الشاعر السعيد المصري، مجددًا، إلى شعر العامية بديوانه الجديد «الحياة محتاجة Var»، والذي يحمل الرقم 15 في مسيرته الشعرية.
يشبّه المصري -في الديوان- «الحياة» بأنها مباراة غامضة، لا يقاس  زمنها بالدقائق، بل بما تتركه اللحظات في ‏أرواحنا من ندوبٍ أو ضوء، فالثانية لدى السعيد المصري ليست ثانيةً تمامًا؛ قد تكون عمرًا كاملًا يمرُّ من أمامنا في غفلة، أو كرةً ‏عاليةً في سماء الروح، لا نعرف إلى أيِّ مرمى ستهبط، وقد تكون لمسةً أخيرةً تغيّر اتجاه المباراة، أو ‏تمريرةً لا ننتبه إلى معناها إلا بعد أن يبتعد الملعب، ويصير كلُّ شيء ذكرى.‏
وفي الديوان، الذي يضم قصيدة واحدة من 45 مقطعًا شعريا،  لا يبدو الـ«‏VAR‏» (نظام تقنية حكم الفيديو المساعد في كرة القدم) مجرد عينٍ تراقب ما حدث، بقدر ما يبدو كأنه فرصةٌ أخرى للنظر، عينٌ تأتي ‏متأخرةً قليلًا لكنها ترى ما لم تره أعيننا وهي تركض خلف اللحظة، ربما لتقول لنا إن بعض الأحكام كانت ‏متعجلة، وإن بعض الذين خرجوا من حياتنا لم يكونوا عابرين كما ظننا، وإن أشياء كثيرةً كنا نظنها خساراتٍ ‏خالصة، كانت تخفي في مكانٍ ما بدايةً لم نكن نملك الشجاعة لرؤيتها.‏
ويقول المصري، حول ديوانه «الحياة محتاجة Var»، نحتاج، أحيانًا، إلى أن تتوقف الحياة لحظة، وأن تعود الصورة إلى الوراء، قليلًا فقط، كي نرى اليد التي ‏أفلتناها، والباب الذي أغلقناه على عجل، والوجه الذي مرَّ أمامنا ولم نمنحه الوقت الكافي ليقول شيئًا، نحتاج ‏إلى زاويةٍ أخرى، إلى عينٍ لا تحاكم الأشياء من أول لقطة، ولا تمنح الحقيقة صفارتها الأخيرة قبل أن تكتمل ‏الصورة، فكم من شيءٍ صغيرٍ مرَّ بنا كأنه لا يعني شيئًا، ثم ظلَّ في الداخل يكبر بصمت، حتى صار جزءًا من ‏حياتنا دون أن نعرف متى بدأ.‏
ويضيف، أن الحياة تحتاج إلى الـ«‏VAR‏»، لا لكي نغيّر النتيجة، وإنما لكي نعرف لماذا انتهت المباراة بهذه الصورة، ‏ونحن نحتاج إلى الحياة، ربما بالقدر نفسه الذي تحتاج فيه الحياة إلينا؛ نحتاج أن نواصل الركض، حتى حين ‏لا نعرف أين المرمى، وأن نتمسك بما تبقّى من إنسانيتنا، حتى لو بدت أحيانًا كقميصٍ قديمٍ يحمل آثار ‏مبارياتٍ كثيرة.‏
بعد انتهاء الديوان -الذي تعمّد صاحبه أن يضم 45 مقطعا شعريا، يشير إلى الدقائق الخمس والأربعين «زمن الشوط الواحد في المباراة» – قد يكتشف القارئ أن صافرة النهاية لم تكن نهايةً تمامًا، فهناك دائمًا ‏وقتٌ بدل الضائع، وربما شوطٌ آخر لا نعرف متى يبدأ، وربما دقائق إضافية تُمنح لنا دون أن نطلبها، ثم ‏ركلاتٌ ترجيحيةٌ نقف فيها وحدنا أمام المرمى، نحمل على أقدامنا كلَّ ما لم نستطع قوله.‏
وفي مكانٍ ما بين الركلة والركلة، بين الصافرة والصمت، نكتشف أن المباراة لم تكن بين فريقين، كانت ‏بيننا وبين أنفسنا، وأن لوحة النتائج، مهما ازدحمت بالأرقام، لم تستطع يومًا أن تسجل الأشياء التي حدثت ‏في الداخل؛ تلك التي لم يرها الحكم، ولم تلتقطها الكاميرات، ولم يطلب أحدٌ مراجعتها.‏
وحين تنتهي المباراة، قد يرفع أحدهم يديه عاليًا، ويظن أنه انتصر، وقد ينحني آخر، كأن كلَّ شيءٍ ‏ضاع، لكنَّ الحياة، في لحظتها الأخيرة، ربما تكون أكثر غموضًا من أن تمنح أحدًا لقب الفائز، فثمة ‏انتصاراتٌ تشبه الخسارة حين نعود بها إلى وحدتنا، وثمة خساراتٌ تترك في الروح شيئًا يشبه النجاة.‏
وربما، حين تنطفئ الأنوار، ويخلو الملعب إلا من صدى الخطوات الأخيرة، لا يبقى في الذاكرة من سجّل ‏الهدف، ولا من أخطأ الركلة، يبقى فقط ذلك الذي كان هناك، نركض خلفه منذ البداية، ولا نعرف اسمه، ‏الحياة.‏
يذكر أن السعيد المصري بدأ مسيرته الشعرية  بديوان «تأملات من برّه الذات” عام 1997م، ليُتبِعَه بـ«فروع شجرة زنزلخت» عام 1999، ثم توالت دواوينه «عيّل وجميزة عجوزة»، «روح برّه الزنزانة»، «وردة في قرطاس سلوفان»، و«وردة بتنزف ريحة موت»، و«جايز ترتاح.. جايز»، و«ناسي حاجة»، و«زى فرع مقطوع من شجرة»، و«شايف كل حاجة»، و«كأنه صوت كمنجة»، و«بانتومايم»، «وردة بتنزف ريحة موت»، «شايف كل حاجـة»، «قـدام قـبر أبويـا»، «الدخول لــ برَّه خروج لجوّه»، وديوان للأطفال بعنوان «يحيى حفيدى»،  قبل أن ينحِّي العامية جانبًا فيصدر له بالفصحى «حيث لا يوجد أحد» عام 2018، و«يفسّر بطاقات التاروه بمهارة»، و«يهبط السلّم وحيدًا».
ولم يكتفِ المصري بما أنتجه شعرًا «فصحى وعامية»، بل راح يحلّق في فضاءات النقد، فيصدر «التشكيل الشجري والمشهدي في شعر العامية المصرية»، و«جماليات السرد الشعري وتفاصيله في “جداريات” سعيد شحاتة الشعرية».
ولأنه مبدعٌ شامل، فقد أصدر كتابًا بعنوان «كيف تدير تفاعلاتك الإنسانية»، ويتحدث خلاله عن فن إدارة العلاقات الإنسانية وإتقان المسافات النفسية.

اقرأ أيضًا:
«العزلة الرقمية».. إعادة تعريف «صومعة الكتابة» في زمن السوشيال ميديا
«زهر الرمان» على مائدة المناقشة بنادي أدب أسيوط

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *