أدباتية: لطالما كان العيد في الثقافة العربية محطة استثنائية تتشابك فيها المشاعر، وتتفتح بها قوافٍ تبحث عن الفرح، أو ترثي زماناً مضى. ولأن الشاعر مرآة مجتمعه ولسان حال الوجدان الإنساني، فقد تنوعت رؤية الشعراء للعيد تنوعاً يجمع بين النقيضين: بهجة الطفولة واللقاء، وغربة النفس وفراق الأحبة، وصولاً إلى قضايا الأمة والانكسارات المعاصرة.
في هذا التقرير المفصل عبر موقع «أدباتية»، نُبحر معاً في ذاكرة الشعر العربي عبر مختلف العصور، وصولاً إلى الأصوات المعاصرة، لنرى كيف رسم الشعراء ملامح العيد في دواوينهم، وكيف تحول هذا اليوم من مجرد مناسبة دينية واجتماعية إلى رمز فلسفي ونفسي يعكس تقلبات الذات البشرية.
العيد في الشعر القديم.. تساؤلات الروح وفلسفة الحال
في الشعر العربي الكلاسيكي، لم يكن العيد يمر دون أن يترك أثراً عميقاً في قصائد الفحول. ولعل البداية الحتمية تكون دائماً مع أمير الشعراء في عصره، أبي الطيب المتنبي، حيث صاغ المتنبي البيت الأكثر شهرة في تاريخ الأدب العربي حول هذه المناسبة، وتحول بيته إلى مثل سائر يتناقله الناس في كل عيد يمر عليهم وهم في حال من الضيق أو التشتت.
يقول المتنبي في قصيدته التي هجا بها كافور الإخشيدي بعد أن غادر مصر في يوم عيد:
في هذين البيتين، يخلع المتنبي عن العيد ثوب الفرح الجماعي ليرتدي ثوب الهم الشخصي والسياسي، العيد هنا ليس فصلاً من فصول البهجة، بل هو مرآة تعكس عمق الفجوة بين الشاعر وبين وطنه وأحبته. تصبح الصحاري «البيد» حاجزاً مضاعفاً يمنع وصول الفرحة إلى قلبه، ليدشن المتنبي بذلك اتجاهاً شعرياً يربط العيد بالمساءلة والمراجعة الذاتية.
وعلى نقيض المتنبي في سوداويته، نجد شعراء آخرين في العصور القديمة استقبلوا العيد بالبشر والترحيب، واعتبروه رمزاً لصفاء الأيام وتجدد الحياة، كما فعل البحتري في وصفه لعيد الفطر بعد انقضاء شهر الصيام، حيث يربطه بالجمال وحسن الطالع والتفاؤل بمستقبل أفضل، مما يوضح أن العيد في الشعر القديم كان يتأرجح بقوة بين الحالة النفسية للشاعر وموقعه من السلطة أو المجتمع.
الطفولة وصناعة الفرح.. العيد في الشعر الحديث
مع انتقال الشعر العربي إلى العصر الحديث، بدأ الاهتمام يزداد بالجانب الإنساني والاجتماعي للعيد، فالطفولة هي الصانع الحقيقي لبهجة هذا اليوم، بملابسها الجديدة وعفويتها المطلقة التي لا تكدرها هموم الحياة.
الشاعر العراقي معروف الرصافي قدم لوحة نابضة بالحياة عن العيد في حركته الاجتماعية، مركزاً على الأطفال باعتبارهم شعلة الفرح التي تضيء الأيام. يقول الرصافي في قصيدته مبرزاً هذه الحركة البهية:
يتعامل الرصافي مع العيد بوصفه طاقة كونية تحرك الركود، فالأطفال في مشيتهم وحركتهم مثل الشهب المضيئة التي تبدد ظلام الأيام العادية. هذا الفرح الفطري يمثل الوجه النقي للعيد الذي يتمناه كل إنسان.
وفي نفس السياق، نجد أمير الشعراء أحمد شوقي يربط العيد بالوئام والسلام الاجتماعي، حيث يرى فيه فرصة لتصفية النفوس وغسل الأحقاد. يقول شوقي مرحباً بالعيد ومذكراً بقيمه السامية:
إن العيد عند شوقي يحمل رسالة إنسانية واجتماعية واضحة، فهو المطهر الذي يمسح الدموع ويعيد الرابطة الإنسانية إلى قوتها وعنفوانها بعد أن أرهقتها مصاعب الحياة اليومية.
جراح المنافي وغربة الروح.. العيد كجرعة حنين
حين تضيق الأوطان بأهلها، أو تفرض الظروف على الشاعر أن يعيش بعيداً عن مرابع صباه، يتحول العيد في قصيدته إلى ميعاد سنوي لتجديد الأحزان ونكئ الجراح، هنا، لا يعود العيد يوماً للفرح، بل يصبح مؤشراً قادراً على قياس حجم الغربة والمسافة الإنسانية والمكانية.
الشاعر العراقي بدر شاكر السياب، رائد شعر التفعيلة، عاش مرارة الغربة والمرض في أواخر حياته، وعبّر بكثافة عن غصة العيد وهو بعيد عن ديرته «جيكور”» وعن وطنه العراق، يقول السياب في واحدة من قصائده الشجية:
يخاطب السياب العيد خطاب الندّ للند، عاتباً عليه لأنه يأتي ليذكره بفقره ومرضه وعزلته في منافي الغربة، بدلاً من أن يجلب له الطمأنينة.
أما الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش، فقد صاغ معادلة العيد في ظل الاحتلال واللجوء صياغة تفيض بالرمزية والوجع الإنساني، مبيناً كيف يعيد الشعب الفلسطيني تعريفه لمفهوم الفرح والزينة، حيث يقول:
هذا التحول في الطقوس يعكس كيف يعيد الشاعر المعاصر تشكيل الواقع؛ فبدلاً من الثياب الجديدة، تصبح الذاكرة والورد المهدى للقبور هو الطقس الأبرز، ما يجعل العيد تظاهرة وفاء وذاكرة حية تأبى النسيان.
العيد في عيون الشعراء المعاصرين.. انكسار الروح وأسئلة العصر
إذا انتقلنا إلى القصيدة المعاصرة والحديثة جداً، نجد أن الشعراء قد نحوا بالمنحى الرمزي والواقعي نحو مستويات أكثر تعقيداً. فلم يعد العيد مجرد مناسبة للحزن الشخصي أو الغربة الفردية، بل تحول إلى رمز لأزمة الإنسان المعاصر الذي يعيش في عالم مليء بالحروب، والنزاعات، والآلات، وفقدان التواصل الإنساني الحقيقي.
الشاعر السوري أدونيس، في نظرته الفلسفية والتفكيكية للواقع، يرى العيد من زاوية مختلفة تماماً. إنه لا يبكي على أطلال العيد التقليدي، بل يتساءل عن جوهر الفرح في عالم فقد دهشته. يدعو أدونيس في بعض إشاراته الشعرية إلى عيد مختلف، عيد يثور فيه الإنسان على واقعه الراكد، حيث لا يكون العيد مجرد تكرار رتيب للأيام، بل ولادة جديدة للوعي والحرية.
بينما يعبر الشاعر فاروق جويدة بنبرته الرومانسية الحزينة المعتادة عن غياب البهجة الحقيقية من البيوت العربية في العصر الحالي، نتيجة للضغوط الاقتصادية والاجتماعية والنفسية التي تحاصر الإنسان من كل جانب. يقول جويدة في قصيدة تعكس هذا الإحباط المعاصر:
يرى جويدة أن العيد أصبح «شاحبًا» مثل الوجوه التي تستقبله، ولم يعد ذلك الضيف المرح الذي ينتظره الجميع بشغف، بل صار ضيفاً خجولاً يمر مسرعاً، لأن البيوت أغلقت أبوابها على همومها اليومية، وغرقت في تفاصيل البقاء ومكابدة العيش.
وفي سياق متصل، نجد الشاعر السوري الراحل نزار قباني، الذي طالما مزج بين الحب والسياسة، يلتفت إلى العيد بنظرة ممتزجة بالمرارة من الواقع العربي. فالعيد عنده يرتبط بكرامة الأمة وحريتها، وحين يرى العواصم العربية تئن تحت وطأة الخلافات والحروب، يكتب متسائلاً عن معنى الفرح في زمن الانكسار:
يضع نزار قباني الشاعر أمام مسؤوليته الأخلاقية والقومية؛ إذ كيف يمكن للقصيدة أن تحتفل بالعيد والأوطان تعاني؟ يصبح العيد هنا مشروطاً بتحرر الأرض والإنسان، وبدون هذا التحرر يبقى العيد مجرد قشرة خارجية لا تلامس الجوهر.
ومن الأصوات الشعرية المعاصرة الشابة التي تناولت العيد برؤية واقعية تلامس تفاصيل الحياة اليومية، نجد حضوراً لقصيدة النثر والقصيدة التفعيلية الجديدة التي تتخلى عن الخطابة الفخمة لصالح التفاصيل الصغيرة. الشاعر المعاصر يلتفت اليوم إلى العيد في صورته الاستهلاكية، حيث تحول العيد إلى مواسم للشراء والازدحام، وفقد الكثير من حميميته القديمة التي كانت تجمع العائلات في فناء بيت واحد كبير. يكتب بعض الشعراء الشباب عن «العيد الافتراضي»، حيث تحولت التهاني من مصافحة حارة وقبلات على الجبين إلى رسائل نصية جافة مكررة تُرسل بضغطة زر واحدة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ما جعل الشاعر المعاصر يرثي غياب الروح الحقيقية والاتصال الإنساني المباشر.
الرمزية والدلالة.. العيد كمؤشر نفسي للشاعر
من خلال استعراض هذه النماذج الممتدة عبر العصور، يتضح لنا أن العيد في عيون الشعراء لم يكن يوماً مجرد موعد ثابت في التقويم السنوي، بل هو مؤشر تنعكس عبره الذات الإنسانية بكل تناقضاتها وأشجانها.
More Stories
سيكولوجية الإنجاز الملموس.. آليات الروتين اليومي في العصر الرقمي
تفاعل جماهيري واسع مع عروض “شارع الفن” بالإسكندرية
أمسيات وندوات ورحلات خلوية.. نادي أدب سيدي سالم يواصل احتفالاته باليوم العالمي للبيئة