25 سبتمبر، 2026

صالون الثقافة الجماهيرية يحتفي برائد العامية المصرية السعيد قنديل في مسقط رأسه

0
صالون الثقافة الجماهيرية يكرم السعيد ثنديل - أدباتية (6)

أدباتية – أحمد زكي شحاتة: استضاف بيت ثقافة سيدي سالم بمحافظة كفر الشيخ، جولة جديدة من جولات صالون الثقافة الجماهيرية، لتكريم رائد العامية المصرية الشاعر السعيد قنديل.
أدارت الصالون الذي تنفذه إدارة الثقافة العامة بهيئة قصور الثقافة، د. ناهد عبد الحميد، بحضور د. لبنى الطماوي ممثلة لهيئة قصور الثقافة ولفيف من كبار المبدعين ومحبي المحتفى به، وتحدث خلاله المبدعان الكبيران مختار عيسى ود. محمود رزق حامد.
بدأ اللقاء بعرض مقطع تسجيلي شارك في إعداده المبدعان د. طه هنداوي وأحمد زكي شحاتة بعنوان «العريف.. السعيد قنديل»، يرصد محطات مهمة في مسيرة المحتفى به، وهو من إنتاج نادي أدب سيدي سالم.

وأوضح الشاعر والناقد الكبير مختار عيسى، أن السعيد قنديل يحترف كتابة لونًا خاصًا من شعر العامية، يجمع فيه بين غنائية سيد حجاب وفلسفة صلاح جاهين وجمال وروعة والد شعراء العامية فؤاد حداد.
وأضاف، أن القصيدة لدى السعيد قنديل، لها رصيد كبير من معانقة الهمّ العام، والأحزان الذاتية فهو يلامس عمق التجارب المحبطة محاولا أن يقدم تفسيراته وتحليلاته مع نبرة لا تخلو من عتاب رقيق، وهو منحى عام نجده في كل قصائد السعيد قنديل.
وعرّج عيسى، على الحسّ الوطني في شعر السعيد قنديل، وحتى في تعاملاته اليومية العادية، مستشهدًا بمقطع تم تسجيله بشكل عفوي للمحتفى به تضمنه العرض التسجيلي.
واستعرض، الشاعر والناقد الكبير، تفاصيل لقائه الأول السعيد قنديل بمسرح غزل المحلة من خلال ملتقى مرايا الذي أسسه -عيسى – قبل قرابة ربع قرن، مشيرًا إلى أنه لم تكن بينهما سابق معرفة، وأن قنديل حضر الملتقى برفقة الشاعر الراحل ممدوح المتولي، وأنه قدّمه كما يقدم أي شاعر، لكن عندما استمع إلى مطلع قصيدته، استوقفه واستأذنه في إعادة تقديمه بما يليق بشاعر كبير.
من جهته قدّم الدكتور محمود رزق حامد الأستاذ بجامعة الأزهر ورئيس نادي الأدب المركزي بكفر الشيخ دراسة بعنوان «شعرية الهزيمة ومقاومة الانكسار في ديوان “فرسان الهزايم” للسعيد قنديل»، مؤكدًا أن قنديل في هذا الديوان لا يتعامل مع العامية باعتبارها مجرد لغة سهلة، وإنما يوظف طاقتها الإيحائية والموسيقية ليخرج أفضل ما فيها.
وأشار رزق إلى الملمح الصوفي في قصائد السعيد قنديل، مؤكدًا أن التصوف يظهر في الديوان بصورة لافتة، ولا سيما في استدعاء رموزه «الشيخ إبراهيم الدسوقي والشيخ طلحة التلمساني والدراويش».. إلخ.
يذكر أن، السعيد قنديل ولد في قرية الحدادي التابعة لمركز سيدي سالم بمحافظة كفر الشيخ عام 1954، وانطلق منذ البداية حاملا على عاتقه مهمة تجديد المشهد الإبداعي، فانطلق كحسونٍ مغرد، يقول:
 «أدين بالديانات اللي في الكون بحالها
 وانا وحدي بس اللي حاسس بحالها
 بحال البلاد الحزينة
 وحاسس بكّمِّ الصداع اللي طاح بالسفينة
 وصدّع حيطانها
 وحطم رؤوس العباد في المدينة وقفّل بيبانها
 وهان الولاد في القرى والنجوع… ».

عرفه الناس، بسيجارته التي لم تكن تفارق إصبعيه السبابة والوسطى إلّا لتلثم شفتيه بين لحظة وأخرى قبل أن تعود إلى موضعها، واثق الخطى يمشي في كل دَربٍ، طويل القامة كشجرة توت يستظلُّ بفَيء أغصانها المبدعون من كل حَدَب وصوب، وحين يجنّ الليل تتحول شجرة التوت العتيقة إلى وسادةٍ ومتكئ لغدٍ جديد.

وحين يلقي الليل عباءَته على قرية الحدادي، ويخلو كل حبيب بحبيبه، يهرع قنديل إلى أوراقه ليخطّ عليها ما اختزنته الذاكرة من قصائد أنتجتها قريحته في ساعات العصاري، فبينما يلقي بالصنارة في الترعة الكبيرة منتظرًا أن يلتقط السمك الطُعم، ينفصل عن العالم ويحلّق بروحه في آفاق أخرى، يدخل عالمًا إثر عالمٍ ينقّب في صفحات التاريخ بذاكرةٍ فولاذية ليضع قصائد شاملة، ضفّر فيها التاريخ بالجغرافيا، والعامية بالفصحى، والصور البلاغية بجذوع كلماتٍ صلبةٍ جامدة تكاد تزلزل الأرض من تحت أقدام الطغاة:

«بتفرك إيديك الدموع اللي واقفة ف عينيك
 ومش راضية تنزل
 لَتغسل حدود البلاد اللي هانت عليك
 ولسالها في القلب حبة حاجات
ما تاهت حاجات
 وضاعت حاجات
 وماتت كتير م الحاجات في الغارات.. ».

قنديل.. لم يكن لقبًا عبثيًا، لكنه اختيارٌ إلهيٌ لشاعرٍ أفسح الله في قلبه براحًا، وكساه ملامح فرعونية أصيلة، وجعل من روحه مستراحًا للآخرين، لتخرج كلماته وقودًا لقناديل يهتدي بنورها التائهون في دروب الإبداع.

وانطلق السعيد قنديل:
 «شايل جناحه الرايات الجداد
 بيعلن بداية سنين الحداد
ويرفع على كل ربوة عَلَم…».

ويمر العام بعد العام، متنقلا بين مراكز البحوث الزراعية في الدلتا والوادي الأخضر، يتجه جنوبًا تارة وشمالًا تارات، فيترك متاعه في المسكن المخصص للمهندسين الزراعيين وينتقل إلى أقرب قصر للثقافة، يلتقي المبدعين الذين عرفوه من خلال أشعاره التي تنشرها المجلات والصحف، فيرونه لأول مرةٍ جسدًا من لحم ودم، ثم يأتي فرمان حكومي جديد بنقله إلى محافظة أخرى فيعيد سيرته الأولى، وما زال هكذا دأبه حتى استقرّ به المقام مجددًا في مسقط رأسه، بعد أن طاف البلاد وتفقّد أحوال أهلها، وبين هذا وذاك لا يكف عن رفع صوته عاليًا:
«ويلعن أبو الظلم واللي انظلم
 فيوصل صداه للحارات والبيوت
 ويوصل صداه للبقر والغنم
 ويوصل صداه للشعوب والأمم
 ويوصل مداه للسما والهرم... »

كعريف الكتّاب الذي يجمع من حوله الصبية يلقّنهم حروف الأبجدية، دأب الشاعر الكبير السعيد قنديل على تقديم النصح والإرشاد لكل المواهب الشابة، فتراه يشجع هذا ويشيد بذاك ويشد على أيدي هذه ويوجّه تلك، تمامًا كقنديل لا ينفد زيته يكاد سنا ضوئه يغمر الكون بالمحبة والإبداع.
اقرأ أيضًا:

د. محمد محمد عيسى يكتب: السعيد قنديل وتحديات الرحلة.. إلى النهر والنخل والإنسان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *