في الخامس والعشرين من ديسمبر عام ألفٍ وتسعمئةٍ وثمانيةٍ وخمسين، أبصر محمد سليمان المدفع النور في مدينة الرقة السورية، المدينة التي يتكئُ تاريخُها على ضفاف الفرات، حيث يشكّلُ الماءُ ذاكرةً والريحُ حكاية.
هناك، في كنف عائلة كبيرة تنحدرُ من عشيرة العفادلة، إحدى أكبر قبائل المنطقة، تشكلت البدايات الأولى لشخصيته.. طفولة مزدحمة بالإخوة والأخوات، لكنها غنية بالدفء والمودة والترابط.
الوحدة بين مصر وسوريا كانت لا تزال وليدةً في المهد، فيما كان بيت عائلة المدفع مفتوحًا كقلب الريف، بلا أبواب موصدة ولا أقفال تمنع زائريه.
في الشتاء، تجتمع العائلة في غرفة واحدة اتقاءً للزمهرير القاسي، وفي الصيف تُفرَشُ الأسِرَّةُ في الباحات الإسمنتية تحت سماء الرقة الصافية، حيث ينام الصغار على وقع نسيم الفرات العليل.
هناك، بين ضوء النجوم وصوت الليل، بدأت أحلام طفلٍ هادئ يتخيل نفسه شاعرًا أو رسامًا في بيئة لا تعرف من الموسيقى سوى نغمات الربابة ودقاتِ الدفوفِ في الأعراس.
هدوء محمد قاده مبكرًا إلى الكتب، فكانت مكتبة والده عالمه الأول بما تحويه من كتب في التاريخ والدين والفكر والثقافة والأدب، ومجلات ثقافية كان أشهرها مجلة العربي الكويتية، التي اتخذ من صفحاتها المصورة، محطاتٍ للسفر بخياله إلى بلادٍ بعيدة، قبل أن يعرف أن السفر سيصبح قَدَرُه لاحقًا.
كبر الفتى على ضفاف الفرات، يطارد الفراشاتِ أحيانًا، ويسبح خلسة في أحايينَ أخرى يلقي بجسده الطفل فوق صفحة النهر وسطلق العنان لأحلامه تتدفق معه كتيار عذب، بينما رأسه المثقل بالطموحات يتهادى فوق الموج الذي يحتضن ثقله برفق، فيدخل برزخًا افتراضيًا بين الواقع والخيال، كأنّ العالم كله ينحني أمام إرادته الصغيرة، لكنه بمرور الوقت أحسَّ أن ألعاب الطفولة القاسية لا تناسب طبيعته المسالمة، فاختار العزلة الهادئة مع الكتب والخيال.
بعد إنهاء دراسته الثانوية في الرقة، حمل حلمه إلى مدينة حلب، حيث درس اللغة الفرنسية وآدابها ونال شهادة الليسانس، لكن التحول الأكبر في حياته جاء عام ألفٍ وتسعمئةٍ وتسعةٍ وسبعين، حين سافر إلى فرنسا. كانت تلك الرحلة الأولى التي غيّرت نظرته إلى العالم، وفتحت أمامه أبوابًا من المعرفة والثقافة والسفر.
في شارع بوليڤارد بواسونير شمال باريس، حيث الحياة الكلاسيكية لفت انتباهه إعلان فيلم « الأخوات برونتي»، فراح يتتبع اللافتات حتى قادته إلى سينما «لي جراند ريكس»، اختار مقعدًا في الصف الأول واستغرق في متابعة الأحداث.. مع كل انتقالة بين مشهدٍ وآخر يغمض عينيه قليلًا ليربط بين الأحداث وبين واقعه هو، كأنّ الشاشة أضحت نافذته على العالم الجديد.. مع كل لقطة، يتخيل شارلوت وبرانويل وإميلي وآن اللائي يعيشن حياتهنّ في قرية صغيرة وسط الريف الإنجليزي، مع والدهن القسّ العجوز وخالتهن العانس المترددة..
الشقيقات الأربع، كلٌ بطموحِها الفني، تساند الأخرى، فبرانويل التشكيلية ترسم صورًا ذاتية تعكس روح العائلة، روحًا يريد هو أن يعرفها في نفسه أيضًا.
تجولت مخيلته بين أروقة المدرسة البلجيكية، حيث ذهبت شارلوت لتعلّم اللغة الفرنسية، ثم تقع في حب معلمها، وإميلي التي تعزف على البيانو وسط صعوبات غريبة عن هويتها الإنجليزية، فيما آن أصغر الشقيقات الأربع تعمل مربية في إنجلترا، لتُضَمِّن قلبَها الطموحَ الهادئَ صفحةً بين دفاتر الأطفال.
ورغم المسافات والزمان، يربط بين تلك الشخصيات وحياته في الريف السوري بين الحقول الممتدة، والناس الذين يعرفهم منذ الصغر، وأحلامه الصغيرة التي تنتظر فرصة لتكبر، كما تنتظر شارلوت أن تعود لتفتح مدرستها.
يشعر أن الفيلم مِرآة، وأنه، مثل هؤلاء الشقيقات يسعى ليجد مكانه في العالم، بين الطموح والقيود، بين الحب والفقد، بين حنين الريف وفضاء الإمكانات الجديدة.
بعد سنواتٍ في عاصمةِ النور، يعود إلى الرقة ليبدأ مسيرته المهنية معلماً للغة الفرنسية، مهنة أحبها ومارسها لأكثر من ثلاثين عامًا.
وتدرّج في السلك الوظيفي، حتى صار مفتشًا للغة الفرنسية، يدرّب المعلمين ويؤهل الكوادر التعليمية. داخل الصفوف، لم يعلّم اللغة فقط، بل ينقل لطلابه حكايات المدن التي رآها والعوالم التي اكتشفها.
السفر ظل شغفه الأكبرعلى امتداد سنوات حياته، زار أربعًا وسبعين دولة في مختلف قارات العالم، جامعًا في ذاكرته قصص الشعوب وثقافات المدن.
حياة محمد لم تكن مجرد رحلات واكتشافات، فقد عاش أيضاً وجهًا آخر من الحكاية.. الوجهَ الذي صنعته السياسة والحرب، وأثّرَ في قسماتِه الاستبدادُ الذي ضيّق آفاق الحياة، ثم الحرب التي حوّلت البلاد إلى أتونٍ من الألم والخراب، دفعت به في النهاية إلى هجرة قسرية نحو بلجيكا، حيث بدأ حياة جديدة، مدرسًا للغة الفرنسية ومترجمًا محلفًا في المحاكم البلجيكية.
في حياته محطات لا تمحى، موت والدته دون أن يتمكن من وداعها، واحتراق مكتبته المنزلية في القصف الذي لم يترك شبرًا في أرض سوريا، تلك المكتبة التي كانت تضم آلاف الكتب والدوريات والمخطوطات والتحف لتتحول سنوات الجهد إلى تلالٍ من رماد.
رغم ذلك كلِّه، بقيت الكتابة ملاذه، أصدر عدة كتب في أدب الرِحْلات منها «بل اذهب لترى»، و«ثلاثة أسابيع في غرب أفريقيا»، و«حكايا بين جدران المدائن»، بينما ينتظر عملان جديدان طريقهما إلى النشر.
في حياته اليومية، يبدو محمد سليمان المدفع بسيطًا كما كان دائمًا، يمارسُ هوايتَه اليومية في المشي لعدة كيلومترا، يحرص على تناول الفواكه والخضروات ويجد متعته الصغيرة في فنجان قهوة أو جلسة أرجيلة. رجل اجتماعي يؤمن بالعلاقات الإنسانية، ويحب أن يكون أولاده أصدقاءه الأقربين.
لا ينتمي إلى أيديولوجيا محددة، لكنه يؤمن بالحرية ويكره الظلم والاستبداد، يؤمن بالكلمة الصادقة، ويقول إنه مستعد أن يدفع عمره دفاعًا عنها.
حكاية محمد المدفع ليست مجرد سيرة رجل، بل سيرة جيلٍ عاش بين زمنين، زمن الفرات الهادئ، وزمن المنافي المفتوحة، إنه بحق رجلٌ خرج من ريفٍ بآفاق محدودة ليجوب العالم، حاملاً في قلبه ذكرى بيتٍ بلا باب… وطموحاتٍ لا تنتهي.

More Stories
سعد النجار.. أسير القصيدة وراهب القوافي
محمد فتحي الخياط.. شاعر ينسج من أوجاع الغربة دفء الوطن
رشاد محمد يوسف.. شاعر الأزهر وحارس الحرف الأصيل