2026-06-20

سعد النجار.. أسير القصيدة وراهب القوافي

أدباتية: أحمد زكي شحاتة: في مارس من عام 1973، وبينما كان العالم يتابع باهتمام أخبار حرب الاستنزاف وملامح خطة الخداع الاستراتيجي، كانت مدينة العارف بالله سيدي إبراهيم الدسوقي على موعد مع حدث إبداعي مختلف، ففي حي «الكشلة» غرب المدينة، حيث يمر نهر النيل العظيم، ولد شاعر لا يشبه إلا نفسه.
اختار له والداه اسم «سعد» تيمنا بجدّه لأبيه، ولم يكن أحد يتوقع أن يكون لهذا الطفل نصيب كبير من اسمه ليصبح واحدا من أبرز الشعراء.

البداية من مدرسة دسوق الزراعية وقصة قصيدة «أولى سادس»

بعد أن أنهى سعد حسن النجار دراسته الإعدادية، قرر الالتحاق بمدرسة «دسوق الثانوية الزراعية»، ولم يكن يعلم أن جدران هذه المدرسة ستشهد ميلاده الحقيقي كشاعر يشار إليه بالبنان.

في أول أيام الدراسة داخل فصل «أولى سادس»، التقت عيناه بفتاة كانت هي الحدث الأبرز في حياته، والتي ألهمته فيما بعد لكتابة قصائد تفيض بالأحاسيس العذرية النقية كنسمات الفجر. غدا اسم هذه الفتاة ترنيمة تتناقلها المحافل الأدبية، فقد كانت تدعى «سلوى».

من وحي هذا الحب الطاهر، كتب سعد تجربته الشعرية الأولى، وهي قصيدة من العيار الثقيل حملت اسم «أولى سادس»، انتشرت القصيدة سريعا بين الزملاء والمعلمين كالحمام الزاجل، حتى وصلت إلى مكتب مدير المدرسة، نالت القصيدة إعجاب الجميع، بما في ذلك سلوى التي كانت تسير في ردهات المدرسة تيها وفخرا بما خلّدته الكلمات، وأصبح الهتاف اليومي في كل محفل ومناسبة: «أسمعنا قصيدة سلوى»، حيث كان يشدو قائلا:

محتاجه عنيكي
لحد بيكتب شعر حقيقي
حد بيعرف يتصرف..
ويعرّف
زعلان البحر أما عيونك بتعيط فيه
محتاجه عنيكي لحد يقول للبحر عيونك..
عيونك بتعيط ليه؟
هل سر؟
طب ليه البحر مُصِرّ ان انتي.. ما زلتي جميلة
ولا زلتي جميلة وجنينة..
وجيباني جنايني
لو ف القاعدين كان حد جنايني
ما يرد
أصلها والله..
والله بجد
محتاجة عينيها لحد بيعزف صولو حزايني
علشان ف البحر أما بنفحت بنطلع شعر
ف ازاي.. في عنيكي الشعر المتسفلت بالهم ب
يخُم..
وبيعمل بحر…

الانطلاق نحو النجومية ومؤتمر أدباء مصر

في قصر ثقافة دسوق، التقى سعد النجار بالراحل العظيم «إبراهيم غراب»، الذي لمح النباهة والنبل في عينيه، فأثنى على موهبته ورشحه للمشاركة في «مؤتمر أدباء مصر»، بذلك أصبح سعد أصغر أعضاء المؤتمر سنا وأوفرهم حظا في ذلك الوقت، وتوالت الأمسيات الشعرية في «نادي أدب دسوق»، وبدأ الجميع يتوقع له مكانة إنسانية وإبداعية مرموقة لم يبلغها أحد من قبله.

طقوس الإبداع وعزلة الشاعر

مرت السنوات وتبوأ سعد النجار مكانة عليّة بين شعراء جيله، إنه شاعر يعيش بالقصيدة ولأجلها، تأتيه الكلمات كالحمى، وتقضّ مضجعه فيعتكف من أجلها ليالي وأسابيع وربما شهورا، لم يكن له أنيس في ليل المعاناة الإبداعية سوى كوب من الشاي ومذياع ينساب منه صوت «أم كلثوم»، وكراسة بيضاء يطرزها بوجعه الشاعري.

ومتى اكتمل النص، ينفض غبار عزلته ويعود إلى حياته الطبيعية، ليتفقد الأصدقاء وينضم إلى «مثلث الشعراء» الذي يضم: محمد ناجي الإبطاوي – محمد تاج الدين – حاتم محمد سالم، ليكمل معهم الضلع الرابع.
وحين يباغته ملاك الشعر بفكرة جديدة، يعود مجددا إلى محرابه ليقضي شهور العزلة، هكذا كانت حياته، تأرجحا بين بعث في حضن النص، وبعث في دنيا الناس، وعندما يتأخر عنه وحي القصيدة، ينطلق ليجالس نهر النيل أو يتجول في شوارع دسوق يتأمل المارة ويناجي قلبه قائلا:

هتاخد شارع سعد للآخر
تلاقي ميدان
ماهوّا يبان ميدان مليان
بناس فاضية
لكن برضه تبان فاضية الوشوش م الناس
ما تعرف ليه كأنك جبت يا بن الإيه شوية دم
ورجّيتهم
ورشيتهم
طلعنا رذاذ
فكنا رصاص نزل ع الأرض
شويه الأرض حَبِّتنا..
فَشِرْبِتْنا..
فنبّتنا
فكنا رصاص ف هيئة ناس
واه ع الأرض لما تحب وتنبِّت شوية ناس
وهما رصاص
ويااه م الأرض لما تحب وتنبّت
رصاص عايش ف هيئة ناس وهمّا فشنك
فمتقوليش..
مصير الناس وأحلامهم إيجار أو ملك
مفيش أحلام بتتأجر
مفيش مسمار من اللي هناك على الكوبري هيشفع لك
مفيش أسفلت مهما عملت راح ينفع.

About The Author