د. طارق أبو حطب يواصل الكتابة عن رواية «الكلاف».. (4-6) اللغة الشعبية بوصفها حاملة للثقافة
أدباتية: تنتقل الدراسة إلى الصراع في رواية «الكلّاف» لتوقن -كما أيقنت- أنه لا يُدار بالأفعال وحدها، بل باللغة أيضا فاللغة ليست محض وسيلة للتعبير فحسب، وإنما أداة لإنتاج السلطة ومقاومتها، ومن خلالها تتشكل هوية الشخصيات ومواقفها، ونستجلي ذلك فيما يلي:
اللغة والحوار والخطاب الشعبي:
إن شعرية التعبير وبناء الوعي في رواية «الكلّاف» تؤكد أن اللغة تحتل في الفن الروائي منزلة تتجاوز وظيفتها التواصلية؛ فهي الوعاء الذي تتجسد فيه الرؤية الفكرية والجمالية للمبدع، والأداة التي تتشكل من خلالها الشخصيات، وتنبني العلاقات بين الأزمنة والأمكنة، وتتحدد طبيعة الصراع داخل النص الروائي ولم تعد اللغة في الرواية الحديثة مجرد وسيط لنقل الأحداث، وإنما أصبحت عنصرا فاعلا في إنتاج الدلالة، وإعادة بناء الواقع، وصياغة وعي القارئ بالعالم الروائي.
وفي رواية «الكلّاف» يدرك أبو المجد البحيري أن طبيعة البيئة الريفية تفرض فرضا على اللغة أن تكون جزءا من هوية المكان والشخصيات، لذلك جاءت اللغة السردية متوازنة بين الفصحى الرصينة في خطاب الراوي، واللغة الشعبية في الحوارات، دون أن تسقط في هاوية الابتذال أو التسجيلية وقد أسهم هذا التوازن اللغوي في تحقيق قدر كبير من الصدق الفني، إذ بدا كل صوت معبرا عن موقعه الاجتماعي والثقافي، ومجسدا لطبيعة الوعي الذي يحمله ولا يكتفي الكاتب بمجرد توظيف اللغة لتحقيق الإيهام بالواقع، بل يجعل منها وسيلة للكشف عن التحولات العميقة التي يشهدها المجتمع؛ فاختلاف اللغة بين الشخصيات ليس اختلافا في الألفاظ فحسب، وإنما هو اختلاف في الرؤية إلى العالم، وفي طبيعة السلطة التي يمثلها كل خطاب ويتضح المغزى بما تعرضه لك النقاط التالية:
أولا: اللغة السردية بين الفصاحة والواقعية
في رواية “الكلاف” يعتمد الروائي لغة سردية تتسم بالوضوح والاقتصاد في المغزى، بعيدة عن الزينةاللفظية،والزخرفة الشكلية والإطناب، لكنها لا تخلو من الحس الأدبي والصور التعبيرية التي تمنح السرد بعدا جماليا فالراوي يستخدم لغة فصيحة رشيقة، قادرة على وصف الشخصيات والأحداث والمواقف، دون أن تطغى على حركة السرد أو تعوق إيقاعه وهذا الاختيار يكشف عن وعي فني لكاتب روائي محنك يمتلك ناصية أدواته؛ فالرواية تنتمي إلى عالم الريف، الذي يحتاج إلى لغة لا تعقيد فيها،فهي بسيطة تحافظ على رصانتها، وفي الوقت نفسه تظل قريبة من نبض الحياة اليومية. ومن هنا جاءت لغة الراوي وسيطا بين الأدب والواقع، تجمع بين الدقة التعبيرية والمرونة السردية البارزة.
ثانيا: الحوار وتعدد الأصوات
يمثل الحوار أحد أبرز عناصر البناء الفني في «الكلّاف»، إذ لا يقتصر دوره على مهمة نقل الحديث بين الشخصيات فحسب، وإنما يتحول إلى وسيلة للكشف عن أنماط الوعي المختلفة داخل المجتمع الريفي وتتجلى هنا خاصية تعدد الأصوات؛ فكل شخصية تمتلك لغتها الخاصة التي تعكس خلفيتها الاجتماعية والثقافية فالعمدة يتحدث بلغة مشبعة بمفردات الهيبة والسيادة والفخر والوراثة، بينما يتحدث الزناتي بلغة بسيطة، لكنها تحمل يقينا جديدا يستند إلى الحق والقانون، والكرامة أما الشخصيات الأخرى فتتفاوت أصواتها بين الخضوع، والتردد، والمساندة، هذا التفاوت الذي يمنح الحوار حيوية وصدقا، ويبعده عن النمطية ولا يتطاول الراوي ليفرض صوته على الشخصيات، بل يتيح لكل شخصية أن تعبر عن رؤيتها للعالم، فيتحول الحوار إلى مساحة تعبير حرة يتجاور فيها أكثر من خطاب، وتتواجه فيها أكثر من رؤية، وهو ما يمنح الرواية بعدا حواريا أعمق تأثيرا.
ثالثا: اللغة الشعبية بوصفها حاملة للثقافة
خلال معالجة فصول الرواية لم يلجأ أبو المجد البحيري إلى اللغة الشعبية من أجل تحقيق الطرافة أو تسجيل اللهجة المحلية، وإنما استخدمها وعاء لذاكرة الريف المصري وثقافته فالأمثال الشعبية، والتعبيرات المتداولة، وصيغ النداء، وطرائق المخاطبة، جميعها أساليب لغوية تؤدي وظيفة دلالية، لأنها تكشف عن القيم التي تحكم المجتمع، وعن طبيعة العلاقات بين أفراده وتكتسب اللغة الشعبية أهميتها من قدرتها على تكثيف التجربة الإنسانية؛ فهي تختزن خبرة الأجيال، وتعكس نظرة المجتمع إلى العمل، والشرف، والسلطة، والكرامة ولهذا تبدو الحوارات الشعبية في الرواية وثائق ثقافية بقدر ما هي عناصر فنية داخل البناء السردي.
رابعا: الخطاب السلطوي في مواجهة خطاب الكرامة
يبدو لنا- من خلال قراءتنا- أن من أعمق مستويات اللغة في الرواية ذلك الصراع الخفي بين خطابين متقابلين: خطاب السلطة التقليدية،على لسان العمدة، وخطاب الوعي الجديد على لسان الزناتي.
فالخطاب الأول يعتمد على مفردات من قبيل: السرايا، الأسياد، الطاعة، الهيبة، الأصل، الخدمة، وهي مفردات تسعى إلى تثبيت النظام الاجتماعي القديم، وإعادة إنتاجه في الوعي الجمعي.
بينما الخطاب الثاني، الذي يتجسد في لغة الزناتي ومن يسانده، يقوم على مفردات مثل: القانون، الحق، الثورة، الكرامة، العدالة، وهي ألفاظ تعكس ميلاد تصور جديد للعلاقة بين الإنسان والمجتمع وهكذا يصبح الحوار ميدانا للصراع الثقافي، لا مجرد تبادل للكلام؛ فكل كلمة تحمل رؤية، وكل تعبير ينتمي إلى منظومة قيمية معينة، ومن خلال هذا الصراع اللغوي تكشف الرواية أن انهيار السلطة يبدأ حين تفقد قدرتها على فرض خطابها بوصفه الحقيقة الوحيدة.
خامسا: شاعرية اللغة وأثرها في بناء الدلالة
على الرغم من واقعية الرواية، فإن لغتها لا تخلو من البعد الشعري، حيث ينجح الكاتب في توظيف الصورة، والإيقاع، والتكرار، والمفارقة، لإضفاء عمق جمالي على السر لكننا نلحظ أن شعرية اللغة تبرز في المشاهد التي تمتزج فيها حركة الإنسان بحركة الطبيعة، أو في اللحظات التي يتحول فيها الوصف إلى تأمل في مصير الشخصيات وهنا لا تكون اللغة زينة أسلوبية، بل تصبح وسيلة لتعميق التجربة الإنسانية، وإبراز البعد الوجداني للصراع، وهذا أبرز ما تكشفه دراسة اللغة والحوار في رواية «الكلّاف» حيث نقول صادقين إن أبا المجد البحيري لم يتعامل مع اللغة بوصفها أداة لنقل الأحداث، وإنما جعلها عنصرا بنائيا يشارك في إنتاج المعنى، وتشكيل الشخصيات، وتجسيد الصراع بين السلطة والكرامة.
وقد أسهم التوازن بين لغة السرد الفصحى، واللغة الشعبية، وتعدد الأصوات، وبناء الخطابات المتقابلة، في منح الرواية صدقها الفني وعمقها الدلالي، حتى غدت اللغة نفسها ساحة تتجلى فيها تحولات الوعي الريفي، وتتكشف من خلاله الرؤية الفكرية التي يقوم عليها العمل الروائي ومن هنا تؤكد الرواية أن معركة الإنسان لايمكن أن تحسم بالقوة وحدها، وإنما تحسم أيضا بالكلمة التي تعيد تعريف الحق، وتمنح الكرامة صوتها، ويمكننا القول إن كل ما طرحناه كان تمهيدا للوصول إلى نتيجة مؤداها أن رواية «الكلّاف» ليست رواية عن الأرض فحسب، وإنما هي رواية عن الإنسان، وعن تحولات السلطة والكرامة والوعي.
