أدباتية – أحمد زكي شحاتة: في قرية “إبشان” التابعة لمركز بيلا بمحافظة كفرالشيخ ولد الدكتور السيد محمد السيد عبده سليم، لا يختلف عن أطفال قريته في شيء سوى في تلك اللحظات التي يسترقون فيها أنفسهم، بعد أن ينشغل أباؤهم بأعمالهم الحقلية، فيهرع الأطفال إلى “الترعة الكبيرة” التي تشق قلب القرية، يتفنون في إظهار الأكروبات واستعراض الرشاقة أثناء القفز للاستحمام في الترعة، إلا أنَّ “السيد” لم يكن يأبه بما يصنعون، فهو كان يرافقهم إلى الترعة لكنه أبدًا لم يجرّب الاستحمام واستعراض مهارات القفز رغم بنيته القوية، ذلك أن له همًّا آخر.
كان يكتفي بأن يدلف إلى جسر الترعة فيأخذ من الطين بقدر ما تسمح قبضته الرقيقة، ثم يأوي إلى ظل شجرة الكافور العتيقة التي لا تزال شاهدًا حتى اليوم على بدايات السيد عبده سليم، ويبدأ في صنع أشكال من الطين كهيئة الطير والإنسان والأهرامات وغيرها مما يستلفت انتباهه خلال عدوِه بين الحقول أو في رحلات المدرسة إلى القاهرة والإسكندرية.
وكَبرَ السيد لتكبر معه هوايته في التشكيل، والتي برزت بشكل مكثف خلال دراسته الثانوية وتطوّر الأمر من مجرد “اللعب بالطين”، إلى “التشكيل بالصلصال” في حصة التربية الفنية، وهو الأمر الذي أهّله للالتحاق بكلية الفنون الجميلة ليتخرج في قسم النحت عام 1976، ثم الدكتوراه من جامعة حلوان عام 1998.
وتدرّج في المناصب الأكاديمية حتى صار عميدًا لكلية التربية النوعية بكفرالشيخ، وبين هذا وذاك يقيم المعارض، الخاصة ويشارك في عشرات المعارض الدولية، بالإضافة إلى اضطلاعه بإنشاء أول مسبك في مصر – في قريته التي ولد ويعيش بها – لتنفيذ الأعمال البرونزية، يفد إليه الفنانون من جميع أنحاء العالم لتنفيذ أعمالهم هناك.
ويعد السيد عبده صاحب رؤية خاصة ومذهب تشكيلي في أعماله يعتمد خطابًا دلاليًا مبنيًا على مكوّن ثقافي يستدعي الموروث الشعبي والتاريخي، وهو ما يظهر جليًا في عشرات الأعمال التي تكاد تنطق بالجمال في ميادين الإسكندرية والجيزة وكفرالشيخ وبورسعيد ودمياط والمنصورة وطنطا.
ومن أشهر أعماله تمثال نجيب محفوظ “بميدان سفنكس بالمهندسين، و تمثال طه حسين في ميدان الجلاء ، وتمثالان من البرونز لأمير الشعراء أحمد شوقي في متحفه بالجيزة – وأمام حديقة الأورمان، وتمثال الدكتور مصطفى مشرفة بمدينة دمياط .
وفي الخارج نفذ عبده سليم تمثالاً من الجرانيت بمدينة تشانشونج في الصين، وآخر من الحجر الصناعي بمدينة فلنيوس في ليتوانيا، وثالث من الرخام بمدينة بيروت.
وعندما قامت الثورة صمم السيد عبده جدارية كبيرة بطول 35 مترًا تربط بين ثورة يناير التي قامت بعد عناء طويل وبين الميثولوجيا الفرعونية “إيزيس وأوزوريس”، حيث شبّه مصر بميِّت تحمله عجلة حربية، فيما تحاول الثورة وشبابها “بثّ” الروح فيه.
More Stories
سعد النجار.. أسير القصيدة وراهب القوافي
محمد فتحي الخياط.. شاعر ينسج من أوجاع الغربة دفء الوطن
رشاد محمد يوسف.. شاعر الأزهر وحارس الحرف الأصيل