أدباتية- أحمد زكي شحاتة: في أحضان فرع النيل الخالد، ولدت الشاعرة والكاتبة نادية حسام الدين بإحدى قرى مركز مطوبس بمحافظة كفرالشيخ، اكتسبت من النهر عطاءه، ومن تدفق أمواجه قوتها، ومن طين ضفتيه الأصالة والوفاء.
فنشأت معطاءة كريمة إلى أبعد حد، وعندما اقترنت بأحد المحامين، بدت براعته وكفاءته، إذ كانت تهيىء له سبل العيش الهانىء، الأمر الذي ينعكس بالإيجاب على عمله، نجاحًا فوق نجاح، وتقدمًا بعد تقدم، واكتشف الخلطاء والمحيطون أن كلمة السر في تفوقه على أقرانه: “نادية”، وفوق هذا وذاك فاقت قصة حبهما كزوجين – في محيطهما – شهرة “حسن ونعيمة”، وصار الثنائي “حمزة ونادية” مضرب الأمثال في قصص النجاح الأسرية.
ولأن الرياح تأتي دائمًا بغير ما تشتهي السفن، فقد شاءت الأقدار أن يصاب “حمزة” بالداء اللعين في كبده، ليقرر الأطباء ضرورة زرع “فص كبد”، وأصرّت “نادية” أن تكون هي المتبرعة لتتوج رحلة عطائها، رغم إلحاح أشقائه أن يكون أحدهم هو المتبرع.
وأمام إصرارها حدد الأطباء تمام السابعة من صباح أحد الأيام لإجراء الجراحة، لكن “سبق السيف العذل”، إذ صعدت روح حمزة إلى بارئها مع إعلان الديكة قدوم فجر اليوم نفسه، تاركًا لزوجته زهرتين “محمود، محمد”، وهنا.. أدركت “نادية” أنها صارت لنجليها أبًا وأُمًا، وراحت ترصد تلك اللحظة “لحظة الفجيعة الأولى” قائلة:
“لحظة ماعرفت/ لا بكيت ولا ثُرت/ اتشلت كل جوارحي ومُتّ/ محمود ومحمد بصوا لي/ والشمس بتغرب في جبيني/ وملامحي ف لحظة بتتبدل/ م الخوف والبرد/ عيالي التايهه البردانه/ اتلفوا ف قلبي المتهلهل/ وانا تايهه وبسأل نفسي ازاي/ رح اعيش ازاي من بعد ما غابت شمس العمر/ ح قول لولادي أبوهم فين/ دايما بيسافر وبيرجع/ بس المره دي خلاص سافر/ راح أول مرة ومش راجع”.
ونذرت نفسها – رغم كثرة الخُطّاب – لتربية نجليها، لتبقى قديسة طاهرة قانعة بـ”عارفة ان السنين الخضر حتفرّع/ حتملا الدنيا نور وحياه/ أنا طيّبت مأكلهم ومشربهم/ حفظت لهم براءة أرضهم فيـّا/ مسكت بإيدي كل العمر/ مدخَّلتش حياتي ظلم/ وداعية لهم.. وعارفة اني دعايا مجاب”.
وانطلقت نادية حسام الدين تدفن أساها، لا تبوح ولا تشكو، تضفر أوجاعها بإبداعاتها التي تخطت حدود الزمان والمكان، ليصدر لها عن فرع ثقافة كفرالشيخ “همس الجواري” ديوان شعر بالفصحى، ثم “ضحكة مني اتسرسبت” بالعامية، بالإضافة إلى عدد من السهرات والمسلسلات الإذاعية.
لكنها – وهى الصلبة الجَسور- لا تلبث أن تغلبها طبيعة الأنثى بين الفينة والفينة فتردد:
«عرفت الآن/ أن العمر متكيءٌعلى صبري/ وسوف أفر من أمسي إلى أمسي/ لأحيا عمري الباقي بلا نصَبٍ ولاحزَنٍ/ فأسمح للفؤاد المنحني خجلاً/ بأن يهديك ما تبغيه من جلَدي».
More Stories
سعد النجار.. أسير القصيدة وراهب القوافي
محمد فتحي الخياط.. شاعر ينسج من أوجاع الغربة دفء الوطن
رشاد محمد يوسف.. شاعر الأزهر وحارس الحرف الأصيل