على الحافة قد تبتلع الجمر ولا تتألم.. عدت من المؤسسة منهك الجسد والنفس، لم أطرق باب المنزل الذي كان مفتوحا، سمعت أبي يعاتب أمي على مصاريفي التي تزداد كل يوم، لم أعر كلامه اهتماما، فجلست على الأريكة المقابلة له، طوال الوقت كان يحدق في الورقة التي أحملها، يريد استفساري عن مكنونها، ينتظر مني أخذ المبادرة ولكن… حملت محفظتي وهممت بالمغادرة إلى غرفتي التي لم أشعر بها يوما كذلك. في تلك اللحظة، ظن أبي أنه سيفوت فرصة معرفة فحوى الورقة، وهو الشاك أنها وثيقة مسلمة لي من مؤسستي التعليمية، عقف حاجبيه فاندفع قائلا : – ما تلك الورقة بيدك يا ولد؟ ابتسمت، خلعت صانديلتي متأففا، قدمت له الورقة قائلا: ـ بما أننا على مشارف إنتهاء السنة الدراسية قدمت لنا هذه الورقة للاختيار بين شعبة الآداب وشعبة العلوم تحضيرا للسنة المقبلة. عدل جلسته، يقرأ الورقة ويعيدها، خاطبني وملامح الفرح والاستغراب مرسومة على وجهه: – من المؤكد أنك ستختار شعبة العلوم… ظنوا في تلك اللحظة أنني أفكر كثيرا والحقيقة أنني تهت في أصقاع أغصان وجدت نفسها مجبرة على الرضوخ لرغباتهم، عدت إلى رشدي أفكر في كل الاحتمالات الممكنة إلا معارضة رغبته وأنا العارف بما ينتظرني في تلك الحالة، استسلمت لمجرى المياه وقلت: – إن شاء الله. – لم يتأخر رده، كأنه كان ينتظر جوابي ليتفوه: كل شيء بمشيئة الله يا حمار، لم تأخر جوابك؟ ألا تعلم أن فخامة اسم “شعبة العلوم” يكفي. ترجلت إلى غرفتي، أحكمت إغلاقها، ظللت أشاهد وأعيد المشهد الذي مُثل قبل قليل، فكرت كثيرا في كيفية الاعتراض على رغبته، تهاطلت الأسئلة على ذاكرتي المهترئة بغزارة غير عارف أجوبتها ولا كيفية التأقلم معها، أحاول نسيان الأمر بأي شيء ولكن كلمة “حمار” تتردد بعنف في أذني بلا توقف… تؤرقني… تمزقني… لم تكن هذه أول مرة… تعبت، يا الله. في زنزانتي الفردية أشعر بثقل كبير أحمله على عاتقي، والخوف من المجهول يسيطر على أرجائي، سألت الجدران كثيرا عن الفرق بين الشعبتين؛ كيف سأواصل المسير بشعبة العلوم وأنا دائم الوقوف على حافة الموت في المواد العلمية رغم اعتكافي المتكرر لتجاوز العقدة. استحضرت مواد شعبة الآداب ذات المعامل المرتفع، ابتسمت لأنني أعشق رحيقها، أجدها متنفسا أعبر فيه عن مشاعري وأفكاري، أتفاعل فيها مع واقعي، ولكن الحياة هكذا لا تبتسم دائما، نولد بالبكاء ونغادر به، وبين هذا وذاك مسارات من البكاء ولقطات نادرة من الفرح. على الحافة قد تجد مقعدا فارغا ولا تجلس قضيت العطلة الصيفية تسكعا، وكلما اقتربت بداية الموسم الدراسي ازدادت جرعات الفرح والشغف للقاء زملاء الدراسة الذين فرقتني معهم العطلة الصيفية. بدأت السنة الدراسية بالجذع المشترك علمي ومازال نسيم الدراسة لم يزرني ظننت الأمر عاديا مثل سنوات الدراسة بالسلك الإعدادي، ولكن حدث العكس حين صُدِمت بحجرات مواد علمية لا قدرة لي على استيعاب ما يحاك فيها. ألج حجرة الفيزياء والكيمياء ألتزم الصمت، لا أعرف حتى الموضوع الذي يتحدث عنه المدرس، أرى العديد من الوجوه الشاحبة مثلي وأكثر، أتنفس الصعداء، ألتفت إلى الاتجاه الآخر أجد البعض يتفاعل مع المدرس على قدم وساق تزداد تساؤلاتي التي لم أجد لها جوابا. فيزياء وكيمياء ورياضيات وعلوم، سيناريوهات تتكرر كل يوم سأصاب بالجنون إذا استمررت في هذا المسلك، لدرجة الأسابيع تتوالى، وفروض المراقبة المستمرة تقترب، وأنا مازلت لم أستوعب حتى عناوين الدروس المُنجزة. المتمكن من زملاء الفصل يتابع الدرس بأريحية، والبعض الآخر يضاعف مجهوده للمواكبة، أما أنا فلا أفكر سوى في الفيديوهات التي شاهدتها طوال الليل، أو استرجاع ما تفوه به أساتذتنا من إهانات في حقنا، فكانت النتيجة: استدراك في كل المواد. كانت المواد الأدبية متنفسي الوحيد أسترجع فيه بعضا من قواي، وحين أتفاعل مع المدرس وأناقشه أشعر بوجودي، ولكن ذلك الشعور يغيب في المواد العلمية، وكل مشاعري تنطفئ، لذلك اهتديت إلى فكرة يلجأ إليها معظم التلاميذ بالسلك الثانوي، فاستعنت بالساعات الإضافية، ومع ذلك أصل بمشقة أصل إلى المعدل، وفي بعض المواد يتعثر الحمار في العقبة. على الحافة قد تصادف: نفسك ولا تعرفها ترجلت ببطء من سنة لأخرى، وصلت السنة الثانية باكالوريا مهترئ الجسد، خاوي الوفاض، غير تاقن لمقرراتي الدراسية السابقة، أحاول ما استطعت إلى ذلك ولكن ليس باليد حيلة، ولا مجال للخطأ أو التراجع فهذه السنة شاطئية، سأعبر للضفة الأخرى، أو أظل هنا بالشاطئ أحملق في وجوه الوافدين الجدد. تعمدت قطع علاقاتي الاجتماعية، وأعدمت أنشطتي الترفيهية مع الأصدقاء، واعتكفت على الدراسة والتحصيل، لم يعد أبي يجبرني على الدراسة أو ينصحني بأهمية القراءة، توصلت إلى ذلك حين شعرت بالخطر… حين فهمت أن النجاح هذه السنة هو تخلص أبدي من سلطة الأب، ابتسمت للحظة لأنني سأغادر عالم التلاميذ…. وكتمتها للحظات لاحتمالية عدم مغادرة. استغربت من نفسي، مجهود كبير أبذله، قد أحصل به على معدلات عالية، ولكن النتيجة تكون عكس المتوقع بالكاد أنجو، فما المشكلة؟ بحثت عن الجواب بدون توقف، قطعت الوديان طمعا في الحصول على قطرة ماء، وجدت أن الداء في أساس لم يبن بإتقان. انتظرت اجتياز امتحان الباكالوريا بفارغ الصبر ظنا مني أنني سأرتاح، لكن ألم انتظار النتائج كان أصعب، يزداد صعوبة كل يوم، وتزداد معه ضغوط الأسرة واستفسارات المعارف من الحي والأهل، أبتسم في وجه الجميع وبداخلي احتراق يصعب السيطرة عليه. لحظة الإعلان عن نتائج الباكالوريا تعذر علي الولوج إلى تطبيق النتائج، أسمع الزغاريد بالحي فيقشعر بدني، وأسرتي تترقب بلهفة، ينتظرون على أحر من الجمر ما سأنطق به. الساعة تشير إلى الحادية عشر صباحا ولا جديد يذكر، مرت تقريبا ثلاث ساعات على لحظة إعلان النتائج، “فقدان الأمل” هو المخيم على أسرتي، لم أستطع الانتظار أكثر، هرولت إلى “سبير” الحي للولوج إلى تطبيق النتائج، في طريقي أستفسر الأصدقاء الذين أصادفهم، معظمهم “استدراكية” وقلة منهم “اجتاز بنجاح”، بعد محاولات مع التطبيق كانت النتيجة “نجاح على الحافة”. على الحافة قد تصادف: النجاح لم تكن فرحة النجاح كبيرة، توالت التهنئات من كل حدب وصوب، وأنا الوحيد العارف أنه نجاح بطعم الهزيمة، بدأت المدارس العليا في إعلان مباريات الولوج لها، كنت خارج السباق، بعضها يطلب معدلات حتى في الأحلام لن أحلم بها، وبعضها يقبل تسجيلي الإلكتروني، ليأتي الرد قاسيا لحظة الإعلان عن لائحة المدعوين لاجتياز الاختبار الكتابي. مر الصيف قاسيا والتيه الذي أتخبط فيه أقسى، ضغط الأم يؤرق… ونظرات الأب تجعلني دائم البحث عن نفسي في أجساد الآخرين… بسببهما انهزمت مرارا، لم أعد قادرا على التحمل، فانفجرت في وجهه ذات يوم: -أرأيت الآن الطب والهندسة والمدارس العليا…؟ انزويت في ركن بارد ببيت مهجور في مدخل المدينة، فتحت نقاشا مع الحياة حول ما يمكن فعله وقد طفح الكيل، صمتُّ طويلا… فهمت المقصود، فقد كان صمتها كلاما، فقررت اختيار ما يناسبني، في تلك الليلة الباردة اخترت تخصصا بكلية الآداب رغم المعاناة التي تنتظرني فحتى الأبجديات أجهلها. حاول… ستصنع المستحيل التزم… سترفرف في سماء التميز.