2026-06-20

د. طه هنداوي يكتب: «الطوفان».. قراءة في ديوان «غناوي الغلابة» لرابح شهاوي

غناوي الغلابة - رابح شهاوي - ادباتية

أدباتيةطه هنداوي: ليس طوفان نوح أو طوفان الأقصى، لكنه طوفان مشاعر.. عندما جاء أمر الله وفار تنّور مشاعر رابح شهاوي، فاضت في ثلاثة مسالك: «الغلابة- الوطن- الغربة»..من الشعراء المحترفين مَن يتصنعون مشاعرهم في قصائدهم،
لكن رابح شهاوي تصنعه مشاعره فتفيض كلماته بمشاعر الحب
والتعاطف، فالغلابة والوطن والغربة حالات وجدانية تنم عن تمتعه بذكاء وجداني، فمن يتمتع بذكاء وجداني تجده قريبا من كل شيء من الناس، من المخلوقات، من الجمادات، من الوطن، فيحبهم ويحبونه بصرف النظري عن درجة الإبداع أو التعليم أو الثراء فيقول:
«العدل روح العبادة/ والحق عندي أساس/ افتح كتاب الألم/ واكتب وقول يا زمن/ كما يجري نهر النيل/ أنا لا صاحب علوم/ في كتاب ولا كراس/ لكنّ عشق الوطن/ جوايا مبدأ أصيل/ ولا يوم صاحبت الخسيس/ ولا اشتريت الرخيص/ وكل قلبي مودة/ لشعب مصر النبيل».

وهنالك شعراء كبار لا يحبون الآخرين ولا يحبهم الآخرون؛ لأسباب تتعلق بانخفاض ذكائهم الوجداني وتعاطفهم وعدم فهم مشاعرهم في الأساس، وبالتالي عدم فهم مشاعر الآخرين.

نعود إلى طوفان مشاعر رابح شهاوي، ونسلك معه المسلك الأول وهو مسلك الغلابة، حيث إنه أحدهم، يحس بهم ويعبر عنهم بكلمات بسيطه يفهمونها ويشعرون بها ويتفاعلون معها كما في قصيدة “حلم الغلابة” حيث يقول:

«حلم الغلابة بالأمان في بلدنا أصبح مستحيل/ أصل الغلابة من زمان/ ما لهمش عزوة ولا نصير/ تلقى الجبان فارس همام/ والحظ في إيدين العويل».

ولأنه لا يسكت عن الحق تجده يصرخ في وجه مصاصي دماء الغلابة قائلا: «اسلبوا كل الإرادة/ ابدروا في الأرض زيف/ اخدعوا ما انتوا السيادة/ يا قدر ظالم مخيف»، ولا ينسى أن يتعاطف معهم -فهو أحدهم- فيعبر عن نفسه قائلا: «اكتب على حيطان البلد/ للذكرى كان فيه ولد/ كات غنوته حب البلد/ غلبان بيحلم بالأمان».

كما عبر عن ضيق عيش الغلابة قائلا: «رسيني على بر يا خال/ عقلي شت من الأحوال/ الجيب فاضي ودخل ما فيش/ وانا باحلم برغيف العيش»، لكنه في ظل ذلك لا ينسى كرامته التي يعتز بها حيث إنها رأسماله فيقول: «عاشق أنا للصبر والصبر موالي/ ولساني فرسي الأصيل / وضميري راس مالي/ مهما الزمان الردي خلى الخسيس عالي/ ومهما زيف العيون خلى الرخيص غالي».

ولأنه من الغلابة وكرامته من كرامتهم راح يحفزهم متعاطفا معهم قائلا: «دوس على كل متاع الدنيا/ وعيش بكرامتك/ إوعى تضل طريقك أبدًا/ واحفظ هيبتك/ حافظ ع المبدأ ويقينك/ أو خط انت رسمته لنفسك/ إوعى هموم الدنيا بحالها تنسيك إسمك/ واللي يساومك أو هيحاربك/ إِشْهِرْ سيف الحق قصاده».

واذا سلكنا المسلك الثاني من الطوفان والخاص بالوطن الكبير وخاصة فلسطين قضية العرب المحورية فنجده مهموما بها فيقول: «أبكي بدمع العين /أصرخ وقلبي حزين/ أنادي على السنين/ على بدر على حطين/ فين العرب يا ناس/ ليه الشرف ينداس/ عود ياصلاح الدين»، ولأنه يتمتع بذكاء وجداني فإنه يتمسك بالأمل، فيقول: «يا بكرة إوعى تفتكر إنك هاتهزمنا/ ويجي يوم فيه ننحني وتتوه معالمنا/ إحنا اللي حُب الوطن مرسوم على جبينّا/ نحلم ببر أمان/ ونسافر في الطوفان/ والمجد لوجودنا»، وإذا نظرنا إلى تعاطفه مع وطنه الأم، تفيض مشاعره جياشة قائلا: «شايل هموم الوطن ومين قدك/ يا اللي الهرم مرسوم على قدك/ كبر دماغك ده ما عادش فيه فايده/ تبني في حيطان الأمل/ ويفكروا ف هَدِّك».

وعندما يحتار المغرضون في مشاعره نحو حبيبته يقول عنهم مستنكرا: «بيسألوني مين حبيبتي/ بيقولوا لي تبقى مين/ توهوني ف بحر صمتي/ أرتوي بألم السنين/ إنتي جولييت الجميلة / وانتي عبلة/ وانت ليلى/ في ليالي الملهمين».

وعندما تختلج المشاعر وتختلط العواطف يعاتب تلك الحبيبة الوطن الأم قائلا: «أنا ليكي وانتي ليا/ إزاي تقسي عليا/ تبعد بينا الخطاوي/ وتموت فينا الغناوي/ مجروح ومين يداوي/ قلوب العاشقين».

ولشدة حبه وتعاطفه معها تجده يتراجع قائلا: «راجع اكتب لك غناوي/ أقرا شعري في القهاوي/ لسه انا عاشق وغاوي/ وإنتي آه يا ليل يا عين»، وتضيق بؤرة مشاعره نحو الوطن الكبير، وتتركز على برج البرلس مسقط رأسه فينشد قائلا: «عاشق وهوايا رماني/ على حلوة وبنت أصول/ ساكنة خيالي وكياني/ وفي حبها مأسور/ يا بلدي يا موالي/ يا عروسة البحور/ هاتعيشي يا برلس/ أحلى بنات الحور».

كما يفتخر بمهنة أهله وهو منهم قائلا: «صياد وصيد السمك وراثة عن أجدادي/ وحبي للبرلس/ ساكن عقلي وفؤادي/ وباعبر الأمواج ولا اخافش/ إن طال سفر أو ليل/ عينيا ما تغفلش».

كما يفتخر بيوم فارق في مسيرت وطنه الأم، أصبح عيدا قوميا لمحافظة كفر الشيخ حيث دارت أحداثه في في الرابع من نوفمبر 1956، قال فيه: «من هنا شهد التاريخ/ من هنا يحكي الزمان/ يحكي حدوتة بلدنا / للوطن حصن وأمان/ من هنا شهد الزمان/ يا جميلة يا برلس /يا أصيلة وبنت ريس/ عالية يا بنت المعارك /غالية في حلوك ونارك/ الجموع جايه تبارك/ ابنك البطل اللي شارك/ الدسوقي وجول جمال».

وأما المسلك الثالث: وهو الغربة والاغتراب، فالغربة هي الخروج من الوطن مجبرا أو مختارا وفي كلتا الحالتين فهو مجبر، ومع ذلك لم ينقطع حبله السري الواصل بينه وبين وطنه، فبينما قال عند خروجه مجبرا:

«احرق أوراق تاريخك/ احرق كل القيم/ ما عاد يفيد صريخك/ ما عدت تحتمل/ يا ابو اللسان صريح/ عايش عمرك جريح/ بتعاني من الألم/ احرق أوراق تاريخك /احرق حتى الأمل»، تجده يتحول 180 درجة في غربته فيقول: «سلموا لي ع البلد/ وابعتوا ليها جواب/ سلموا لي ع الولد/ وابعتوا حفنة تراب/ سلموا لي ع الشوارع/ ع القرايب ع الصحاب»، ليس ذلك فقط، لكنه لم ينتظر حتى الرد على ما أرسله لكنه راح يرسل مع الطير قائلا: «يا طير يا مروح / سلم لي ع الأحباب/ غريب ومتسوح/ مين اللي رد الباب/ خلاني أسيب عشي».

لكن الأمرّ من الغربة والأقسى منها الاغتراب، هو الإحساس بالوحدة وعدم السلام النفسي داخل الوطن وخارجه فيشعر بمرارة علقمية فيتساءل: «أنا ليكي وانتي ليا/ إزاي تقسي عليا/ تبعد بينا الخطاوي/ وتموت فينا الغناوي/ مجروح ومين يداوي/ قلوب العاشقين».

ولا يزال طوفان مشاعر رابح شهاوي مستمرا.

د. طه هنداوي

About The Author