في بلدةٍ نائية تُدعى “صداح”، لم يكن الناس يدفنون أمواتهم بالطريقة المعتادة، بل كانوا يعتقدون أن الروح تبقى حية في الصوت حتى تتلاشى آخر ذبذبة له في الأثير. وكان عمّي “يونس” هو صانع الأحجار الصوتية الوحيد في البلدة. كان مهام عمّي تتلخص في أخذ قطعة من نسيج رداء الراحل، ويضعها داخل صندوقٍ نحاسي صغير مصمم بحرفية شديدة. عندما يُغلق الصندوق، يُصدر صوتاً خافتاً يُشبه صرخة الولادة أو تمتمة الذكرى—الصوت الوحيد الذي تميّز به هذا الراحل في حياته. كان أهل البلدة يزعمون أن الصندوق إذا ظل يُخرج الصوت، فإن صاحب الروح بخير في عالمه الجديد، أما إذا صمت الصندوق نهائياً، فهذا يعني أن الذكرى انمحت وتم عبوره إلى النسيان الكامل. في أحد الأيام، جاء شاب يُدعى “سليم” يحمل صندوق والده الراحل. كان الصندوق قد بدأ يصدر صفيراً خافتاً ومتقطعاً. قال سليم بنبرة يملؤها الخوف: “عم يونس، صندوق أبي يوشك على الصمت. أرجوك، أعد صيانته، أضف إليه شيئاً ليظل يتكلم.. لا أريد أن أنساه، ولا أريده أن يغيب.” نظر إليه عمّي يونس بهدوء، وأخذ الصندوق، ثم فتحه أمامه. لم يكن داخل الصندوق سوى خيط بسيط وموجة نحاسية صغيرة تصطك بالهواء. قال له يونس: “يا بني، هذا الصندوق لا يحفظ صوت أبيك، بل يحفظ حزنك أنت على رحيله. كلما تمسكت بالصندوق لتسمع الصوت، فإنك تعيد حبس أبيك في لحظة موته، وتمنع نفسك من عيش حياتك.” ثم أخذ يونس الصندوق ووضعه في كف سليم وأغلقه، وقال: “الأصوات لا تُخلّد في النحاس ولا في الأحجار، بل تُخلّد في الأثر الذي تركوه فينا. ابتكار الأفكار، الطيبة، والحكمة التي تعلمتها منه هي صوته الحقيقي الذي لا يصمت أبداً.” تردد سليم لحظة، ثم التفت إلى النافذة، وفتح الصندوق في الهواء المفتوح. خرجت منه تمتمة أخيره خفيفة، ثم تلاشى الصوت تماماً. في تلك اللحظة، لم يشعر سليم بالخوف، بل أحس بنسيم دافئ يمر بجانبه، وكأن والده يسير أخيراً بسلام.