30 أغسطس، 2026

د. هند محسن حلمي تكتب عن «حكاية بيت» لشهد مصطفى: حين تتحول الذاكرة إلى بيت آخر للغائبين

0
حكاية بيت - شهد مصطفى - أدباتية

أدباتية: ثمة نصوص لا تأتي لتروي حكاية بقدر ما تأتي لتستعيد ما تتركه الحياة فينا من ندوب وملامح وأصوات وأمكنة، وكأن الكتابة فيها ليست فعلًا للحكي فقط، وإنما محاولة لمقاومة النسيان. ومن هذه المنطقة الإنسانية الدافئة تتحرك رواية «حكاية بيت» للكاتبة شهد مصطفى، التي تنحاز منذ بدايتها إلى التفاصيل الصغيرة، لا بوصفها وقائع عابرة، وإنما باعتبارها وحدات خفية تتشكل منها الذاكرة الإنسانية، ويتكون عبرها وعي الإنسان بذاته وبالآخرين وبالمكان الذي شهد بداياته الأولى. فالبيت في الرواية ليس جدرانًا وسقفًا وأبوابًا مغلقة، وإنما كيان حي تتراكم داخله الأزمنة، وتبقى فيه أصوات من رحلوا، وتستمر عبره الحكايات حتى بعد أن تتغير الوجوه وتغيب الأجساد.

ومن هنا تأتي أهمية العنوان نفسه «حكاية بيت»، إذ يبدو في ظاهره بسيطًا ومباشرًا، لكنه سرعان ما ينفتح على دلالة أكثر اتساعًا؛ فالبيت لا يصبح موضوعًا للحكاية فحسب، بل يصبح ذاكرة للحكاية، ومخزنًا للأثر، وفضاءً تتقاطع فيه حيوات الشخصيات ومشاعرها وتحولاتها. إنه المكان الذي تبدأ منه الذات في اكتشاف العالم، وفيه تتشكل علاقتها الأولى بالحب والخوف والأمان والفقد، ولذلك فإن مغادرة البيت لا تعني بالضرورة مغادرة المكان، لأن المكان بعد ذلك يتحول إلى جزء من تكوين الإنسان، يسكنه كما يسكن هو ذاكرته.

وقد اختارت شهد مصطفى أن تجعل الشخصية الرئيسة، شهد، مركزًا تتحرك من خلاله الحكاية، غير أن هذا المركز لا يبدو معنيًا بتقديم سيرة فردية مكتملة بقدر ما يكشف عن العلاقة المركبة بين الإنسان وبيئته الأولى. فشهد لا تتشكل بمعزل عن أسرتها، وإنما تنمو داخل شبكة من العلاقات والذكريات والأحداث التي تبدأ بالطفولة، ثم تمر بالفقد والتغير والنضج، وصولًا إلى وعي أكثر اتساعًا بمعنى الحياة واستمرارها. ولذلك فإن الشخصية هنا لا تُبنى باعتبارها فردًا منفصلًا، وإنما باعتبارها حصيلة لما عاشته، ولما تركه الآخرون داخلها.

وهذا ما يفسر اعتماد الرواية على البناء التراكمي أكثر من اعتمادها على الحبكة التقليدية ذات الصراع المركزي والذروة الواضحة. فالأحداث لا تتقدم في خط مستقيم نحو لحظة واحدة فاصلة، وإنما تتجاور الذكريات والمواقف اليومية والمناسبات العائلية والأزمات والتحولات، لتصنع في النهاية صورة واسعة لأسرة مصرية، وتمنح القارئ إحساسًا بأنه لا يقرأ رواية عن حدث بعينه، وإنما يقرأ حياة كاملة وهي تتشكل أمامه بالتدريج. وهذه الطريقة في البناء تتوافق بدرجة كبيرة مع طبيعة الذاكرة نفسها؛ فالذاكرة لا تستعيد حياتنا وفق ترتيب زمني صارم، وإنما تستدعي لحظات بعينها، وقد تقفز من زمن إلى آخر، وتربط بين مشهد قديم وإحساس حاضر، وبين شيء صغير وحياة كاملة.

ولعل القيمة الأهم في تجربة شهد مصطفى أنها لا تجعل الموت نهاية مغلقة، بل تحوله إلى شكل آخر من أشكال الحضور. فالأم، رغم غيابها، تظل حاضرة في وجدان الأسرة، والجد لا ينتهي حضوره بانتهاء حياته، وإنما يستمر في الأشياء والأماكن والعادات والذاكرة. وهنا تنتقل الرواية من الحديث عن الفقد إلى التفكير في معنى الأثر؛ فالإنسان قد يغيب جسدًا، لكنه لا يغيب بالضرورة من حياة من أحبهم، لأنه يترك فيهم شيئًا من صوته، وطباعه، وذكرياته، وقيمه، وربما حتى طريقته في النظر إلى العالم.

وتصبح العبارة: «كيف أدركت أن الإنسان لا يرحل تمامًا، بل يترك شيئًا منه في كل من أحبهم» بمثابة مفتاح تأويلي واسع للرواية كلها؛ فهي لا تبدو مجرد تأمل عابر، وإنما تختصر الفلسفة الداخلية التي يتحرك بها النص. فالرحيل هنا لا يعني العدم، وإنما الانتقال من الحضور المادي إلى حضور آخر أكثر خفاءً؛ حضور لا تراه العين، لكنه يظهر في الذاكرة، وفي السلوك، وفي الأشياء التي تكتسب معناها من أصحابها، وفي الأماكن التي تتحول بفعل الغياب إلى خرائط للحنين.

ومن أجمل ما نجحت الرواية في توظيفه أن الأشياء اليومية تتحول تدريجيًا إلى علامات رمزية. فالبيت، والصور القديمة، ويوم الخميس، والمقعد الفارغ، ليست مجرد تفاصيل لتزيين الحكاية، وإنما تتحول إلى مفاتيح تستدعي الماضي وتربطه بالحاضر. وهنا تكمن إحدى جماليات النص؛ في قدرته على منح الأشياء البسيطة حياة ثانية داخل الوعي. فالشيء الذي يبدو عاديًا قبل الفقد قد يصبح بعده محمّلًا بطبقات هائلة من الدلالة، لأن قيمة الأشياء لا تكمن دائمًا في مادتها، وإنما فيما اختزنته من حضور إنساني.

ويأتي «المقعد الفارغ» بوصفه واحدًا من أكثر الرموز نجاحًا في الرواية؛ فبعد رحيل الجد لم يعد المقعد مجرد قطعة أثاث، وإنما أصبح شاهدًا صامتًا على حضوره. «بقي المقعد فارغًا، لكنه كان أكثر الأماكن امتلاءً بالجد.» هنا يتحول الفراغ إلى حضور، ويصبح الغياب نفسه وسيلة لإثبات عمق العلاقة. إنها مفارقة جمالية بسيطة في صياغتها، لكنها عميقة في دلالتها؛ فالذي غاب عن المكان صار أكثر حضورًا فيه، لأن الذاكرة أعادت تشكيله بطريقة تتجاوز الحضور المادي.

وهذه الفكرة تفتح الرواية على بعد فلسفي هادئ؛ فالإنسان لا يعيش فقط بما يمتلكه من زمن، وإنما بما يتركه في زمن الآخرين. وربما لهذا يبدو البيت في الرواية كأنه كائن يتذكر؛ يحتفظ بالأصوات والضحكات والخلافات والانتظارات والغيابات، حتى يصبح المكان نفسه شاهدًا على الزمن. وفي هذا المستوى يمكن النظر إلى البيت باعتباره استعارة للذاكرة الإنسانية؛ كلاهما يحتفظ بما رحل، وكلاهما يعيد تقديم الماضي كلما استدعته لحظة من الحاضر.

وعلى مستوى اللغة، اختارت شهد مصطفى لغة تتناسب مع طبيعة عالمها الحكائي، لغة قريبة ودافئة، بعيدة عن التعقيد الذي قد يفصل القارئ عن التجربة الإنسانية. ويمنح هذا الاختيار السرد قدرًا واضحًا من الحميمية، حتى يشعر القارئ أحيانًا أنه لا يقرأ نصًا بقدر ما يستمع إلى فرد من أفراد الأسرة وهو يستعيد تفاصيل حياته. غير أن هذه البساطة نفسها تقترب أحيانًا من المباشرة، حين تميل الكاتبة إلى تفسير بعض المشاعر والدلالات بدلًا من ترك المشهد وحده يكشفها. وهذه ملاحظة فنية مهمة؛ لأن السرد الأكثر نضجًا لا يقول للقارئ دائمًا ماذا ينبغي أن يشعر، وإنما يمنحه المشهد ويترك له مساحة المشاركة والتأويل.

ومن الناحية البنائية، فإن تعدد المحطات الحياتية، من فقد الأم إلى رحيل الجد، مرورًا بأزمة كورونا والدراسة والتحولات التي تصيب الأسرة، يمنح الرواية ثراءً واضحًا على مستوى التجربة، لكنه في الوقت نفسه يجعل البناء أقل تركيزًا. فالنص لا يتحرك حول صراع مركزي واحد يتصاعد حتى يبلغ ذروة محددة، وإنما يقدّم مسيرة طويلة من التجارب المتعاقبة، وهو ما يجعل الرواية أقرب إلى السرد التكويني الذي يتابع تشكل الشخصية عبر الزمن منه إلى الرواية التي تقوم على الحبكة المحكمة.

كما أن الامتداد الزمني الواسع، رغم أهميته في رسم رحلة شهد من الطفولة إلى النضج، يؤدي أحيانًا إلى قفزات زمنية واختزالات كان يمكن لبعضها أن يُمنح مساحة أكبر. فهناك لحظات تمتلك طاقة شعورية عالية، وكان من الممكن أن تتحول إلى مشاهد أكثر تفصيلًا، تسمح للقارئ بأن يعيش التجربة مع الشخصيات بدلًا من أن يعرف نتائجها فقط. فالمشهد حين يُكتب بعمق يستطيع أن يفعل ما لا يستطيع التلخيص أن يفعله؛ إنه لا يخبرنا بما حدث فقط، وإنما يجعلنا نشعر بأننا كنا هناك.

ومع ذلك، فإن هذه الملاحظات لا تنتقص من القيمة الأساسية للتجربة، لأن قوة «حكاية بيت» لا تنبع من تعقيد الحبكة، وإنما من صدق الحس الإنساني الذي تتحرك به. لقد استطاعت شهد مصطفى أن تقدم الأسرة لا بوصفها كيانًا مثاليًا منزّهًا عن الأزمات، وإنما باعتبارها المساحة الأولى التي يتعلم فيها الإنسان معنى الاحتواء والفقد والتسامح والانتماء، ويكتشف فيها أن العلاقات الإنسانية لا تنتهي بالضرورة حين تنتهي الحياة اليومية التي جمعت أصحابها.

واللافت أن الرواية لا تتعامل مع الذاكرة بوصفها مجرد استعادة للماضي، وإنما بوصفها فعلًا لإعادة بناء الذات. فحين تستعيد شهد طفولتها وأفراد أسرتها والأماكن التي شكلت وعيها، فإنها في الحقيقة تعيد اكتشاف نفسها من خلالهم. وهذا يجعل الذاكرة هنا ليست صندوقًا للماضي، بل أداة لفهم الحاضر. وكأن الإنسان لا يستطيع أن يعرف من صار إليه إلا إذا عاد قليلًا إلى من كانه، وإلى الذين ساهموا، بوعي أو دون وعي، في تشكيله.

ومن هنا يمكن قراءة «حكاية بيت» باعتبارها رواية عن استمرارية الأثر أكثر مما هي رواية عن الفقد. فالفقد حاضر بقوة، لكنه ليس الغاية النهائية للنص؛ الغاية الأعمق هي البحث عما يبقى بعد الفقد. ماذا يبقى من الأم بعد رحيلها؟ ماذا يبقى من الجد بعد أن يخلو المقعد؟ ماذا يبقى من البيت حين تتغير تفاصيله؟ وماذا يبقى من الإنسان حين يصبح مجرد ذكرى؟ والإجابة التي تقترحها الرواية تبدو شديدة البساطة وشديدة العمق في الوقت نفسه: يبقى ما زرعناه في الآخرين.

وهنا تحديدًا تكتسب الرواية قيمتها الإنسانية؛ لأنها تنقل الحكاية من خصوصية الأسرة إلى أفق أكثر شمولًا. كل قارئ تقريبًا يمكن أن يجد في المقعد الفارغ شخصًا غائبًا، وفي صورة قديمة وجهًا لم يعد موجودًا، وفي رائحة مكان ذكرى لا يعرف كيف يشرحها، وفي بيت طفولته نسخة قديمة من نفسه. وبذلك تنجح الرواية في الانتقال من «أنا» الشخصية إلى «نحن» الذاكرة الإنسانية، ومن الحكاية الخاصة إلى التجربة المشتركة.

وإذا كانت الرواية قد نجحت في بناء عالمها الشعوري والرمزي، فإن التجارب القادمة لشهد مصطفى يمكن أن تذهب أبعد من ذلك عبر مزيد من التكثيف البنائي، وتعميق الصراع الداخلي للشخصيات، وتحويل بعض اللحظات المحورية إلى مشاهد مكتملة، مع منح القارئ ثقة أكبر في قدرته على استنتاج الدلالة من الحدث دون الحاجة إلى تفسيرها بصورة مباشرة. فكلما اتسعت المسافة بين الحدث وتفسيره، ازدادت مساحة القارئ داخل النص، وأصبح شريكًا في إنتاج المعنى لا مجرد متلقٍ له.

وفي النهاية، تبدو «حكاية بيت» محاولة صادقة لاستعادة ما يخشى الإنسان أن يفقده مرتين: مرة حين يغيب أصحابه، ومرة حين تمحوهم الذاكرة. ولذلك تأتي الكتابة هنا بوصفها مقاومة للنسيان، واستعادة للأصوات التي خفتت، والأماكن التي تغيّرت، والوجوه التي لم تعد تجلس في أماكنها القديمة. إنها حكاية تبدأ من بيت صغير، لكنها تفتح أبوابًا واسعة على أسئلة الإنسان الكبرى: من نحن؟ ماذا يبقى منا؟ وهل يستطيع الموت أن يمحو وجودنا من حياة الآخرين؟

إن «حكاية بيت» ليست حكاية عن منزل يسكنه أشخاص، بقدر ما هي حكاية عن أشخاص يظلون يسكنون البيت حتى بعد رحيلهم؛ فالبيت هنا لا يحتفظ بالأجساد، وإنما يحتفظ بالأثر، والذاكرة لا تستعيد الغائبين كما كانوا، بل تعيد خلق حضورهم داخلنا. ومن ثم فإن أجمل ما تقوله شهد مصطفى في تجربتها أن الإنسان قد يرحل عن المكان، لكنه لا يرحل بالضرورة من معناه؛ وأن بعض الغياب لا يصنع فراغًا، بل يصنع حضورًا من نوع آخر؛ حضورًا لا يُرى، لكنه يُحس، ولا يتكلم، لكنه يظل قادرًا على رواية الحكاية.

وهكذا تنتهي «حكاية بيت» دون أن تنتهي حكايتها حقًا؛ لأن البيوت التي تسكنها الذاكرة لا تُغلق أبوابها، والذين نحبهم لا يغادروننا تمامًا، بل يعيدون تشكيل أنفسهم داخلنا، حتى يصبح جزء من حياتهم امتدادًا لحياتنا. وفي هذا تكمن القيمة الأعمق للرواية: أنها لا تكتب عن الذين رحلوا بقدر ما تكتب عن قدرتهم على البقاء، ولا تكتب عن البيت باعتباره مكانًا للسكن، وإنما باعتباره ذاكرة تسكننا نحن.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *