د. طارق أبو حطب يكتب حول رواية «الكلاف» (5-6) سؤال الإنسان في مواجهة السلطة
أدباتية: ما يعمق فكرة جدلية السلطة والكرامة وتحولات الوعي الريفي، تلك الجدلية المكتسبة من صراع الملكية، والمحاولة لاسترداد الإنسان؛ فإذا كانت الرواية قد انطلقت من واقعة تاريخية ارتبطت بالإصلاح الزراعي وما أحدثه من تغيرات في بنية المجتمع الريفي، فإنها سرعان ما تجاوزت حدود الحدث التاريخي لتطرح سؤالا أكثر عمقا واتساعا، هو سؤال الإنسان في مواجهة السلطة فالقضية التي تشغل أبا المجد البحيري ليست انتقال ملكية الأرض من يد إلى أخرى، وإنما انتقال الإنسان من حالة الخضوع إلى حالة الوعي، ومن موقع التابع إلى موقع الفاعل في صناعة مصيره ومن هذا المنظور، تبدو السلطة في رواية «الكلّاف» مفهوما ثقافيا يتجاوز معناها السياسي أو الإداري؛ فهي منظومة متكاملة من القيم والعلاقات والرموز التي ترسخت عبر أجيال طويلة، حتى أصبحت جزءا أصيلا من وعي المجتمع، كما تصبح الكرامة الإنسانية هي القيمة المحورية التي تنتظم حولها جميع عناصر الرواية، إذ لا يكتمل التحرر الحقيقي إلا حين يستعيد الإنسان حقه في تعريف ذاته بعيدًا عن الوصاية الاجتماعية والتمييز الطبقي.
ولهذا فإنه لا ينبغي أن تقرأ الرواية بوصفها تسجيلا لصراع اجتماعي عابر، بل بوصفها نصا أدبيا يطرح إشكالية فلسفية تتعلق بطبيعة السلطة، وحدود مشروعيتها، والكيفية التي يستطيع بها الإنسان أن يتحرر من صور الهيمنة المتوارثة، ليؤسس وجوده على الحرية والعمل والحق، وليصلك المعنى فضلا تابع معي تسليط الضوء على ما أورده لك:
أولا: السلطة بوصفها نسقا ثقافيا
لا يقدم أبو المجد البحيري السلطة في صورتها المباشرة، وإنما يكشف عن جذورها العميقة داخل الثقافة الريفية، فالعمدة لا يستمد نفوذه من ملكية الأرض وحدها، بل من منظومة اجتماعية رسخت فكرة التفوق الوراثي، وربطت المكانة بالنسب والثروة، وجعلت الطاعة فضيلة، والخروج على المألوف ضربا من التمرد على النظام الطبيعي للحياة ومن هنا تبدو السلطة في الرواية خطابا ثقافيا قبل أن تكون ممارسة عملية؛ فهي تعيش في الذاكرة الشعبية، وفي العادات، وفي أنماط التفكير، وفي اللغة اليومية، وعليه فإن سقوط بعض مظاهرها لا يعني بالضرورة انتهاء تأثيرها، لأن آثارها تبقى كامنة في الوعي الجمعي، وتقاوم كل محاولة للتغيير ولهذا جاءت المواجهة بين الزناتي والعمدة مواجهة بين تصورين للعالم؛ أحدهما يستند إلى الماضي بوصفه مصدر الشرعية، والآخر يستند إلى القانون والحق بوصفهما أساسا لعلاقات جديدة بين الناس.
ثانيا: الكرامة وتجليات القيمة المركزية في الرواية:
مؤكد أن رواية “الكلاف” قد نجحت في نقل مركز الصراع من الأرض إلى الإنسان، ومن الملكية إلى الكرامة؛ فالأرض لا تكتسب أهميتها لذاتها، وإنما لأنها تمنح الإنسان شعورا بالاستقلالية، والاعتراف المجتمعي، وتحرره من التبعية التي ظلت تحكم حياته عقودا طويلة ومن ثم، فإن الزناتي لا يقاتل من أجل زيادة ثروته، وإنما يدافع عن حقه في أن يُعامل بوصفه مواطنا كامل الحقوق، لا تابعا لسلطة اجتماعية فقدت مشروعيتها ولهذا تتجاوز الكرامة في الرواية معناها الأخلاقي، لتصبح أساسا لإعادة بناء العلاقة بين الفرد والمجتمع، ويبرز هذا المعنى في المواقف التي يرفض فيها الزناتي الخضوع للإهانة، ويصر على مخاطبة العمدة من موقع الندّية الإنسانية، لا من موقع التابع. فالتغير الحقيقي الذي ترصده الرواية يبدأ من الداخل؛ من شعور الإنسان بقيمته، قبل أن ينعكس على واقعه الخارجي .
ثالثا: تحولات الوعي الريفي
من أهم ما يميز «الكلّاف» أنها لا تصور التحول الاجتماعي بوصفه تغيرا في القوانين فحسب، وإنما تجعله تحولا في بنية الوعي ذاته فالشخصيات لا تتغير لأنها انتقلت من طبقة إلى أخرى، بل لأنها بدأت ترى نفسها والعالم بطريقة مختلفة، فالوعي الجديد لا ينشأ دفعة واحدة، بل يتكون تدريجيا من خلال التجربة، والصراع، واكتشاف الحقوق، والاحتكاك بالواقع الجديد ولذلك يبدو الزناتي أكثر ثقة بنفسه كلما تقدم السرد، بينما يبدو العمدة أكثر اضطرابا، وقلقا كلما أدرك أن أدوات السيطرة القديمة لم تعد قادرة على إخضاع الجميع
وهكذا ترصد الرواية لحظة تاريخية فارقة، لم يتغير فيها توزيع الأرض فقط، وإنما تغيرت معها صورة الإنسان عن نفسه، وهي اللحظة التي ولدت فيها فكرة المواطنة داخل الوعي الريفي، ولو في صورتها الأولى.
رابعا: من التبعية إلى الفاعلية
تكشف الرواية أن التحول الحقيقي يبدأ حين يتحول الإنسان من موضوع للسلطة إلى ذات فاعلة تمتلك حق الاختيار، فالزناتي لم يعد ينتظر ما يمنحه الآخرون، بل أصبح يستند إلى القانون وإلى اقتناعه بعدالة قضيته ومن هنا، فإن البطولة في الرواية ليست بطولة التمرد من أجل التمرد، وإنما بطولة المسؤولية؛ إذ لا يسعى البطل إلى هدم المجتمع، بل إلى إصلاح العلاقة بين الإنسان والسلطة على أساس من العدالة والاحترام المتبادل، وتؤكد الرواية أن الحرية لا تتحقق بإسقاط سلطة قديمة فقط، وإنما ببناء وعي جديد قادر على حماية الحقوق، وصيانة الكرامة، ومنع إنتاج أشكال جديدة من التبعية.
اقرأ أيضًا:
د. طارق أبو حطب يواصل الكتابة عن رواية «الكلاف».. (4-6) اللغة الشعبية بوصفها حاملة للثقافة
د. علاء جاويش يواصل الكتابة عن رواية «الكلاف».. (3-4) البناء الفني للزمان
د. طارق أبو حطب يكتب عن رواية «الكلاف».. (3-6) الزمان والمكان وإنتاج الدلالة
