أحمد زكي شحاتة: في بلدة تحتضن البحيرة وتتمدد على كتف البحر، حيث يتهجى الفجر أبجديته من الموج، وتكتب الشمس أول أبيات النهار على صفحة الماء، ولد منصور محمد علي شهاوي، المعروف بين محبيه بـ«رابح شهاوي» عام ألف وتسعمئة وأربعة وستين. مع صياح الديكة إيذانا بقدوم الفجر، يستفيق أهل برج البرلس على نداء النوارس، فيرافق الصغير والده في العمل على مركب شراعي مهمته نقل الناس وأمتعتهم في رحلات تجارية عبر بحيرة البرلس إلى سيدي سالم مرورا بقرية الشخلوبة. وبينما يتهادى المركب على صفحة البحيرة، كان قلب الطفل المعلق بشراع النور يمخر عباب الحلم متشبثا بمجداف الأمل في غد أفضل. لم ينل حظا وفيرا من التعليم، لكنه وجد في الحياة مدرسة أخرى، حين عرف الشقاء مبكرا، فصار يرافق الريح، ويتعلم من البحر صبر الموج وقلق المد والجزر، فانطلق يقول: «رسيني على وضع يا خال عقلي شت من الأحوال
الجيب فاضي، ودخل مفيش وأنا باحلم برغيف العيش».. كلمات عارية من الزخرف، لكنها مشحونة بالصدق، تخرج من عمق المعاناة، ومن قلب تشبع بالحكايات والحنين، لا من برج عاجي، بل من قلب الواقع، فكان صوتا لهم، في زمن طغى فيه الصمت، وأصبح فيه الحلم رفاهية لا يملكها الفقراء راح يغنى للغلابة: «كان يا مكان دنيتنا أصالة كنت زمان وانا لسه صغير
أنا واخواتي في أوضة وصالة
بركة وستر في كل بيوتنا
واللي يفيض مالي الحصّالة
عيشة بسيطة
هادية هنيّة
فيه حنية وفيه تربية
كنا نراعي الجار والجارة
وأبويا دايما كان ينصحني
اوعى تبص لحاجة غيرك اوعى شيطان يلعب بضميرك».. وعندما ضاق به الحال، حمل حقيبته وسافر إلى ليبيا… بحثا عن لقمة تحفظ كرامته، لكن الغربة لم تنسه الوطن، بل فجرت في داخله بركانا من الشعر والعتاب والمواجع… فصار يكتب ليقاوم، ويغني ليداوي، ويتوجع ليعبر عن ملايين البسطاء، فراح يغني له من هناك: «سلموا لي ع البلد وابعتوا ليها جواب سلموا لي ع الولد وابعتو احفنة تراب سلموا لي ع الشوارع ع القرايب ع الصحاب ابعتوا لي طمنوني قبل ما يضيع الصواب». أسس أول فريق مسرحي في برج البرلس، ونسق فعاليات لاستضافة العديد من رموز الفن والإبداع ليجعل من البرلس قبلة للفن والمبدعين. كل ما فعله، فعله تطوعا، لأنه آمن أن من لا يمنح وطنه إلا إذا أخذ، لا يستحق الانتماء إليه. وفي رمضان من كل عام يحتفي بالشهر الكريم على طريقته الخاصة، فيكرم حفظة القرآن، ويوزع الجوائز، ليزرع في قلوب النشء بذور النور والأمل، ويغني معهم: «يا بلدنا يا حبيبتي مهما ابعد أو بعدتي راجع أكتبلك غناوي وأقرا شعري في القهاوي…» في المقاهي الشعبية والتجمعات الجماهيرية حيث تتقاطع الحكايات، وتتلاقى القلوب، ولدت قصائده، فكبرت مثل نبتة الريحان في شق الحجر. كتب ويكتب وسيكتب رابح شهاوي، عن الفقر، والغربة، عن الوطن، عن الإنسان… وعن أحلام الغلابة. وبكلماته الرقيقة المعبرة عن هموم البسطاء دخل القلوب، وسطر اسمه بأحرف من نور على حيطان الذاكرة الشعبية ليصبح مرآة للوطن وصوتا للحالمين بغد أفضل: «اكتب على حيطان البلد للذكرى كان فيها ولد كات غنوته حب البلد غلبان بيحلم بالأمان بس الغلابة من زمان ما لهومش عزوة ولا نصير».